عابر على الذاكرة




ترتجف أكرة الباب ,من أصابعٍ اعتادت التواري خلف جيوب المعطف, من شيء أو جسد مختبئ خلفها..
كنت وحيدة, أنا و البرد في الغرفة, و المطر في الخارج يصهل؛ بل ينوح مثل سماء الصيف..
كنتََ الحادي عشر بين أصابع الغياب,
لم تكن سوى رجل عابر على الذاكرة
فالعابر..ون يتساوون مع الخالد…ون
في : التكدّس على أرصفة المدن المزدحمة
بالأغنياء ..بالفقراء..بالمدمنين ..
..الخ !!




2006

… بعدد أصابع يَدان


1
من شرفة الذهول أراه: يمشي ببطء, على كتفيه حمامتين, الشوارع التي يمرّ عنها تتحوّل إلى هديل !

2
يا إلهي, عن ماذا أحدثكم؟ أقسم أنني رأيتُ زوبعة تشق قميصه, الأزرار تساقطت على الأرض و تحوّلت إلى ألف عين زرقاء, ما زالت تلاحقني حتى هذه اللحظة.. صباحا حين خرجَ عامل النظافة إلى الشارع, وجدَ ألف وردة متناثرة على الأرض بين الرصيف و الشارع و تحت شرفتي التي اقتحمها ذاك الرجل.

3
كانت معك مجرد قصة قصيرة تستحق القراءة بمتعة و لا داعي لأي حزن أو ندم أو صلاة!

4
في حبة الفستق: وجد شفتيها !

5
الذكريات الجميلة تجلب لي التعاسة

6
فتحتُ نافذتي فرأيتُ الناس يتبخرون, لم يكن الجو حارا, كنتُ مصابة بالحمى !

7
امرأة كالمغارة, تفتح بابا على شفتيها, تقول للظلام سرّها, تدوِّر أصابعها على سُرة الأرض, تلاعب ترابها, تزرع كلاما و ربيعا أصفرا للماضي..

8
ماذا لو سميتُ البحر سماء و طارت الأسماك في الأعلى حيثُ حوّلتُ السماء إلى بحر.. هل يتغيّر موطن الغيم و يصير الموج فراشة بيضاء تشع في وهج الكون!

9

ليلة أمس غفوت على يد أمي, حلمتُ أن رأسي الناعس على يدها قد تحول إلى كمنجة, و حين صحوتُ وجدتُ تحت رأسي خمس نغمات بعدد أصابع يدها..

10
المزيد من الليل كي أسهر.. المزيد.. المزيد.. المزيد كي لا أنام, أنا امرأة فقط لليل.

أسنان تعيسة


في عيادة الأسنان, استرخى في مقعده كالمخدّر, معلّمة مادة الأحياء كانت تنتظر دورها مثله, كانا يجلسان مقابل بعضهما, يفصلهما باب غرفة الطبيب الخاصة بالفحص, وضعت يدها المتوترة على فكّها الأيسر, فكّه الأيمن كان يبدو منتفخا و مترهلا مثل حبة خوخ طرية جدا, لم يكن في العيادة أحد ما سواهما, مرّت ساعة على انتظار دور أحدهما, حركاتهما على المقعد متعَبة, الملل وجد خصوبته فيهما, تكاثر الضجر, همّت بالخروج, الرجل يتلفت حوله, رآها تجر قدميها الثقيلتين ببراعة امرأة اعتادت على ألم الأسنان, تبعها.. اقترض القدر صدفة أن يركبا نفس سيارة الأجرة, لم يتعرّفا على بعضهما, ريح خفيفة تقتحم أنفاسهما المهملة, قبل أن ينزلا لمح وجهها في المرآة الأمامية للسيّارة, أحسّ بحقل مطر يحصده الندم, لماذا لم يسألها عن أي شيء يتعلّق بها؟, على الأقل اسمها!. . عاد إلى بيته, دلف إلى المرآة, سأل وجهه: أي فهرس سيدلني على اسم تلك المرأة.
صار الرجل يذهب إلى عيادة الأسنان كل يوم, حتى بعد أن خلع آخر سنّ من فمه, في آخر عمره أخبره الطبيب أن المرأة التي يبحث عنها(الرجل) كانت تأتي إلى العيادة كل يوم و تأخذ أسنانه التي يخلعها, لتزرعها في فمها, دائما كانت تقول: فقط لو أعرف من صاحب هذه الأسنان التعيسة . !

بينهما جدار

جدار بين مدينتين
يرسم على الجدار سماء
ترسم على الجهة الأخرى من الجدار نفسه شمسا
يرسم غيمة
ترسم مطرا
يرسم شفاها
ترسم قبلات و ضحكات
يرسم شارعا
ترسم سيارة
يرسم كلمات
ترسم سطورا
يرسم رسائلا
ترسم ساع بريد
يرسم دمعة
ترسم منديلا
يرسم حقدا
ترسم ثورة
يرسم بندقية
ترسم قلبا,
يطلق قلبها نبضاته كالرصاص
يتحطم الجدار.. تتفتت الدبابة, يتعانقان!

رسم طفولته و مضى

جدول دم خشن يسيل من نهاية خليج العقبة, يصبّ في بقعة غامضة رسمها الفنان على لوحة جدارية مطعّمة بالدموع و المآسي, كان الجدار مطليّا بالألوان و الرسوم الساكنة عمدا, فلا أوجع من أن يكون السكون/الصمت سفير الأحزان عبر الزمن, و فلسطين على ذاك الجدار صامتة و تغني مع ابراهيم طوقان: صامت لو تكلما..
كانت اللوحات على جدران مدارس الغوث في مخيم الشاطئ, تشارك الأطفال ضحكاتهم, طلاب الصفوف الابتدائية, يحملون الفرشاة و علبة الألوان, يضع أحدهم الفرشاة على بداية الجدار و يركض ببراءة حتى يصل نهاية الجدار, أستاذه يصفق له و يقول مبتهجا: لقد رسمت خطا أزرقا طويلا, يصيح الطلاب من بعيد: أوووه, يبدو الخط الأزرق مثل بحر غزة اللاوي. أطلب من سائق السيارة الخاصة أن يصفّ سيارتنا في مكان خال, أنزل من السيارة و أهرول إلى الطالب الذي سمعته يقول”بحر غزة اللاوي”, أسأله “شو يعني بحر غزة اللاوي”, يقطب الطالب حاجبيه و يذهب إلى أصدقائه !, حين يصلهم يضحك بصوت عال و يقول “الأستاز علمنا إياها”, تقدمت نحو أستاذهم و سألته عن معني اسم بحرهم؟, انزلقت نظارته حتى أرنبة أنفه و نظر إليَّ من أعلى النظارة كما و لو أن عينيه صعدتا سلما للشمس, قال: اتفقنا مع طلاب رام الله أن نرسم رسائلنا إليهم على جدران المدارس, طلابي يرسمون البحر لهم و طلابهم يرسمون الجبل لنا, في الليل تطير الرسومات و تتحول إلى غابات و بحار..
أطفال تجاوزا الواقع ليتحدوا مرارته بحلاوة أحلامهم و براءتها, من بعيد يصفق الطلاب لزميلهم الذي رسم سفينة, تركت الأستاذ و ذهبتُ أشاركم الرسم, رسمت في سفينتهم صندوقا كبيرا و قفلا يغلقه, التم الطلاب حولي مذهولين و سألوني: شو يعني؟, قلتُ: في الصندوق كنز خطير سوف نهرّبه إلى طلاب رام الله, ما عليهم سوى أن يكسروا القفل. قال طالب يربط حول معصمه قطعة مطاط ملونة: ليش خطير؟, قلت: لأنه ممنوع و يهدد أمن الاحتلال. تنقلت عيون الطلاب فيما بينهم, أحدهم وضع يده على ذقنه محتارا, سألني و هو يرسم في الهواء شيئا ما: أين المفتاح؟, قلتُ: مع طالب في رام الله, قال: هذه أول مرة نتراسل مع طلاب رام الله, ضحك صديقه: ها ها ها أصلا نحن لم نتراسل مع غيرهم من قبل, استدركه صديق و قال: لكننا تراسلنا مع الله, صفّر أستاذهم له و قال: لم يخطر ببالي, ثم صفّق و قال: رائع.. أنتم رائعون. رنّ جرس المدرسة معلنا انتهاء حصة الرسم حسب الجدول المخطط لفعالياتهم الصيفية, اتفقوا مع بعضهم البعض أن يراسلوا الله هذه الليلة, في لحظة اختفوا من حولي و سمعت ضجتهم في الصفوف..
صباحا, ذهبت إلى جدار المدرسة, فوجئتُ بأن أحدهم رسم للقفل مفتاحا, و من الصندوق ينهمر شلال ورد, طالب ما رسم طفولته و مضى..

صباح فراشية


هذا الصباح كئيب
جدا أسود و أجنحته مهيضة..
سجع الحمام يبعث بي الشؤم مثل البوم
قطتي تبحث عن جرذ
هواء المدينة أصفر
رؤوس الناس يتوهج منها لون أصفر
تعاستي صفراء
السماء و العصافير صفراء
من كل شيء يشع لون تعبي الأصفر
شاحب وجه الصبية
مرهقة
جدا مرهقة..

كتب تفتح عينيّ لأحلم

لقد تعبت من القراءة, و بالرغم من ذلك لن أندم على عزلتي لساعات في مغارة كتاب سيقدّم لي الحياة برفق. أمس اكتشفتُ أن نصوص”ترابها زعفران”(لادوار الخراط) كان أجملا حين قرأته في طفولتي, لكنني الآن أعيد قراءة النصوص بفتور و ملل, أتأكد من وعيي بما أقرأ, فأكتشف أيضا أنني لا أحب أدونيس, و أن طفولتي القارئة كانت أشبه بمسرح دمى. كنتُ أجوب المكتبات: الهاشمية, رشاد الشوا, الهلال, اليازجي, الشروق.. وراء زجاج مكتبة الشروق أتسمّر, صديقاتي لا يجرؤن على الاحتجاج لأنني أستوقف طريق عودتهن إلى البيت, أسحبهن معي كالسحابات إلى جوف المكتبة, أظل لوقت طويل, أتنقل بين أقسام المكتبة, أتصفح رواية, أستلطف غلاف كتاب, يجذبني عنوان, ألتقط اسم كاتب أحب كتبه, في النهاية أذهب إلى صاحب المكتبة, أمطر أسئلتي عليه, هل تدخل الكتب في هذا الوقت؟ اغلاق المعابر يؤثر؟ فتحي البس؟ ماله؟ الشروق فرع لرام الله و عمّان؟.. الرجل يضيق ذرعا مني, أجفف أسئلتي و أطلب منه أن يبحث لي عن كتاب لفلان و عن الكتب التي تتوفر للكاتب الفلاني, ينكب على جهاز الحاسوب أمامه و يبحث لي عن أسماء لن أجد أي كتاب لها في “الشروق”, أغرب عن المكتبة لأشهر و أشتاق إلى مشاكسة مكتبة أخرى..
معي الكثير من الكتب التي لم أقرأها: امرأة في الثلاثين, إذا جاء الشتاء, غراميات مضحكة, شتاء في يوليو, الحب عند العرب, سيكولوجية المرأة…. إلخ, أمدّ يدي في درج المكتب, أغرف ذاكرتي, ذاكرتي ممتلئة بالفراغ, مخرمة و تنهشها الثقوب, ألتقط رسالة من أحدهم, قديمة جدا, أقرأ فيها قائمة وصايا من كاتب لقمانيْ إلى ابنته التي ستكون يوما كاتبة ذات شأن!!. هل حقا سأكون كاتبة عظيمة بعد خمس سنوات كما قال و تنبأ الصديق الشاعر عثمان حسين!.
ليلة أمس, أطفأتُ ضوء الغرفة, كان الليل يدلف إلى هزيعه, و كنتُ أغرقُ في ظلّي المقمر شيئا فشيئا, أفكّر في ” العتمة ” ( رواية لجوزيه ساراماغو ), تخيّلتُ أنني فجأة أصاب بالعمى, و أنا أبتسم لطفل أو حين أصحو من نوم لذيذ, بلا سبب أفقد بصري !, مسني الخوف و قررتُ أن أتدرب على العمى, في الصباح, قفز قرص الشمس إلى عينيّ, غطيتهما بيديّ و حجبت الشمس عنهما, يجب أن أعتاد على ” العتمة ” بدون شمس أو مصباح.. ما زلتُ في بداية ” العمى “, أقرؤها كأنني أستقبل أحزانا و هموما غير متوقعة, من سيصاب غدا بالعمى؟ آ.. اليوم في سياة الأجرة التي أقلتني إلى بريد ” أرامكس” جلس إلى جانبي رجل طاعن في العمى, وخز كتفي بقطعة النقود, و قال ” ادفعي الأجرة عني “, تقلصت ملامح وجهي متسعة البهجة و الابتسام, أخذت من يده البيضاء قطعة النقود الحديدية, كان الحديد ساخنا, ألهب أصابعي وجعا, دفعتُ للسائق أجرته عني و عن الأعمى, و قبل أن أنزل من السيارة دسستُ قطعة نقود أخرى في جيب قميص الأعمى!, إنها أجرة التعرف شخصيا على “العمى”..
استلمتُ البريد من الموظفة بعدما تأكّدت من هويتي و وقّعت على ورقة ثبوتية!. كان صباح غزة في مهده, الشوارع نقيّة و لم يتلوث الهواء بزفرات المتذمرين و تناهيد الحالمين بعدْ. تمشّيتُ في شارع ” فلسطين “, لوقتٍ طويل بقيتُ أتمشى, فلسطين فوانيس رمضان, حلوى عيد, طفولة, امرأة, رجل في الأربعين, طيش مراهق, “فلسطين” شارع أفتح فيه بريدا مليئا بقصص الحب و الموت و الجنون.. جنون زياد خداش, سأوزعه على صبايا و أطفال يكبرون بصخب و أمل, يصعدون تلالا و يزرعون لوزا و فستقا و خروبا. في الشارع الطويل يصدح صوت الكتب ” خذيني إلى موتي.. خذيني إلى موتي.. خذيني إلى موتي “, أرعبني الصوت و صرت أركض في الشارع وحدي, لم تكن البيوت قد نهضت بعد!. فجأة يوقفني صوت هاتفي الخلوي, أنزوي تحت شجرة, أقرأ رسالة من صديقتي المقدسية ” صباحك فلسطين كوثر “, أبتلع هواء و نفسا عميقا, أسير بهدوء.. بهدوء أدخل القاعة, تقبّلني الدكتورة مي نايف, دائما تقبلني!, أهديها نسخة من كتاب” خذيني إلى موتي” و كتاب ” كأن شخصا ثالثا كان بيننا”, تشكرني و تبرق عيناها بالفرح, أقول لها بخجل ” اشكري زياد”.
اثنتي عشر نسخة من “خذيني إلى موتي”, نادية تنتظر نسختها, إباء و أحمد و البقية غدا سيأخذون نصيبهم من الجنون في الأمسية الشعرية في جاليري الميناء, مريم أصرت أن تأخذ نسخة, وضعتها في حقيبة السفر لتقرأها مع خطيبها في الامارات, تنازلتُ و أعطيتُ نسخة لطالبة جامعية لا أعرفها لم تتركني إلا بعد أن أخذت مني ما تحب من الجنون.. سائق سيارة أجرة سرق مني نسخة!!, عاقبته و لم أعطته أجرته, لم يبال بأجرته, و قال لي ” صدقيني إنني أقرأ أكثر منكم”, آنذاك رأيتُ من نافذة السيارة سحابا أبيضا جامحا, كان يشبه قطيع غزلان تشع نورا أبيضا… إلخ إلخ

غزة.