مَقطَع من سيرة ذاتية لكائن ليليّْ

قلتُ: إلى متى سأظل أشعر بأنكَ كائن كتابيْ, أريد أن ألمسكَ.. أتحسسكَ بأصابعي مثل طفلة تنشر وعيها الأول على أشيائها و ألعابها الكثيرة.
قال: بل أنا كائن خرافي.
قلتُ: أنتَ تكتبُ إليّ أشعاركَ في كل زاوية و مُخيّم.. فاكتب لي و لو مرّة بالخطأ قصة عن غربتنا و غرفتنا في شجر الكلام.
قال: أنا أكتب لامرأة.
قلتُ: العُمر يمرّ بمرارة و الليل ينمو في عينيّ, فاكتب قبل أن ننتهي بَعيدين و قبل أن تأخذنا النهاية إلى محطة تتذكّر فيها كلمة لم تكتبها/تقلها لي..
قال: أنا كائن خرافي أكتب لامرأة.
قلتُ: أعيش على ما تكتبهُ إليّ, علّمني الحياة بدون كلماتكَ.
قال: أنا ميّتْ.
قلتُ: لا تتوغّل في الإبهام, أفهمُكَ جيّدا, الإنسان ما عاش إلا حُبًّا في البقاء, فكيف نبقى و نحن نعيش لنموتْ؟!
قال: الوردة الأخيرة على قبري, كانت ثقيلة على جثتي.
قُلتُ: ساعدني في شدّ النسيان.. هيّا لنرميه في ذاكرة لا مستقبل لها.
قال: لا ترددي الشّعر على قبري.. أرجوكِ, و لا تقرئي كلماتي فأنا أسمعكِ الآن بوضوح و جثتي تزداد تحلُّلا كلما قرأتِ أكثر..
قلتُ: سأمشي مع هذيانكَ و أبشّركَ بأن الليلة الماضية أمطرتْ السماء و الأرض, كلتاهما أمطرتا, بغزارة, وددتُ لو أبحر إليكَ عبر المطر, لكنّني لم أستطع فقد كان القمر غليلا و شرب كل المطر.
قال: أنا أتحلّل.
قلتُ: مجرّد حبّ غريب يأكل من لحمكَ و من لحمي.
قال: هذا يكفي, سأكتبُ إليكِ كلماتي المحروقة بالزيتون و الزعتر.. اتركيني في قبري شاعرا و لتكوني امرأة تعيش على موتي..

مواعيد مؤجلة

4/10/2009
الأحد

ربطتُ قدمي في نافورة الجامعة حتى لا أفلت إلى البيتِ إلا و أنا مارة على كل محاضراتي حسب الجدول المسجل. لكنّ صوتا ما فكّ قدم حضوري و أعلنت الجامعة عن تعليق الدراسة احتجاجا على تأجيل ” تقرير غولدستون “!
منذها و أنا أتهم صديقاتي اللاتي يُؤجلن مواعيدهنّ معي بِـ ” الخيانة ” .

صباحات دراسيّة

في هذه الصباحات الدراسيّة, يجري جدول صغير من بين أصابعي, دوري مبتهج على اظفري, و طالبة تذهب إلى الجامعة لتحضر محاضراتها المملة, ها هي سيارة الأجرة تحمل كتبي و دفاتري و عقلي إلى الجامعة..

ضحكات مطرودة

نفس القاعة, نفس الصديقات, نفس الأنفاس, نفس الدكتور, هُو نفسه الذي درّسنا في الفصل الدراسي المنصرم, و سيدرّسنا هذا الفصل أيضا, يتكئ رأسي على يدي المثبتة تحت ذقني, يتحركّ فكاي لأقول بتذمر ” نف.. سه.. الدكتور نفسه يا وفاء”.
لا يضحك, لا يبتسم, حاجباه معقودان مثل حبل مبرم و خشن, عيناه الخضراوان لا تستحقان بهجة ” الأخضر ” , يقّدم نفسه إلينا من جديد, اسمه, طريقة تدرسيه للمادة, النواهي و الممنوعات خلال المحاضرة: ممنوع التحدث أو الهمس مع بعضنا البعض, يجب علينا أن نغلق هواتفنا الخلوية و كل رنة بعلامة تنقص من علامة الطالبة التي لم تغلق أو تصمت هاتفها!.. من شدة التذمر أكاد أمزق الدفتر, وفاء ترسم على الطاولة عصفورا, أمامنا تجلس صديقتنا رضا, منصتة إلى الدكتور بدون ملل أو تعاسة!, مازالت المحاضرة في أولها, بعد ساعة سيفرجُ عني, أبحث عن أي شيء ينجيني من عذابي و ينقذني من ضجري المقيت, التقطت دبوس شالتي, وجدتُه منحنيا, أضحك بحذر على شكله المعوج, تسحبه إسلام من يدي, تضحك هي الأخرى على شكله, ثم تضحك معها وفاء, و كأن ثلاثتنا وجدنا المفر من شراك المحاضرة و عبوس الدكتور, فجأة يعمّ الصمت أرجاء القاعة, عيون الطالبات تتجه نحونا, الدكتور يتوقف عن الشرح, التفت حولي علّي أعرف السبب, فإذا بالدكتور يشير بسبابته نحوي و هو يقول بغضب مخيف ” أنتِ.. ” , أنظر إليه باستغراب و أقول ” أنا ؟! “, يقول ” أنتِ و صديقاتكِ اخرجن من القاعة فورا..”, نحمل كتبنا و دفاترنا و نغادر القاعة بصمت رهيب جدا, نغلق الباب وراءنا و نسمع صوت الدكتور يقول ” كان ينقصهنّ مهرجا ليضحكن أكثر..”, وفاء تسخر منه و تحمد الله أننا نجونا من عقاب منسي يجازينا الدكتور به على ضحكنا, كأن يأمرنا بسحب المادة أو “يرسّبنا فيها” !, حملتُ حقيبتي ذات الأزرار الملونة و نزلنا الدرج إلى الطابق الأول من مبنى N ثم بقينا ننتظر محاضرة “فن التحرير الصحفي” ..

3/10/2009

مرة أخرى.. مقام الخدش -2-

إلى ” هُوَ ”
أو
إلى ” لا أحد “

1
الإنسان المثالي في هذا الكون هُو “أبي”. لقد تعلّمتُ كثيرا من الحياة, أي حياة؟ سأقول ” حياتي على امتداد تسعة عشر عاما “, و نهلتُ من الكتب ما يجبُ عليّ أن أعرفهُ و أجهلهُ. تعرّفتُ على صديقات و أصدقاء طلاب و أغبياء و كتّاب و شعراء, في نهاية المطاف و حتى الآن لم أتعلم أكثر مما تعلمته من أبي ! .

2
أحيانا؛ أجدني أكتبُ إليكَ حتى أتذوّق طعم الغباء و نكهة الندم.

4
ما العظيم في مقام الخدش؟
أهُوَ تهوّركَ الجارح أم نزولي موجة عن مقامي.. مقام الماء لكي أوضّح لكَ “الإنسان” !

5
يدُ الطبيب هِيَ نفسها يد المريض.

6
حين شعر المسرحي الفرنسي الساخر موليير بدنو أجله, قال لمن يتحلقون حول فراشه ” أسدلوا الستارة , لقد انتهت المهزلة “.
يا ليل: هيّا أسدل عتمتكَ على نهاري.

7
أحاول أن أقترب من اقترابكَ, كلما دنوتُ منكَ, أقتربُ من الأرض أكثر, لا أعرف هل هُو ” الحب حتى الموت ” !

8
السيِّدة التي ساعدتها في حمل أكياس الخضروات و الفواكه إلى بيتها, شكرتني و أبت أن تكرمني بحبة “تفّاح”, قالت لطفلها بعد أن ذهبتُ ” شحّاذة ” .

9
كنّا أربعة, ثالثنا السماء, أنا و الجنة و العصفور.

10
لأنني طيّبة: غنّت عني العصافير.

مقام الخدش

مقام الخدش هو عنوان مذكراتي لأكثر من ليلة.. أدوّنها حتى لا يضيع ذلك الرجل و لا يشعر مرة أخرى بأنه ” إنسان تافه ” ! , لأن في كل واحد منا بوصلة مضيئة تحمينا من الضياع و ترشدنا إلى نور الذات و عطش الحياة.

1
منذ أيام, تحدث معي أمور مزعجة لا أعرف كيف أكتبها و لا أستطيع التوصل إلى حل لمشكلة الماء المتسرب من روحي!.

2
كان اصبعي قد ضغط على الزر بالخطأ فانغلق الخط في وجهه, ظنّ أنني أغلقته متعمدة و أساء إليّ كثيرا بظنه و خدشني باتهامه اياني بالقسوة, لأول مرّة ينعتني أحدهم بالقسوة, و لأول مرة أصابُ بالسعال الجارح, إنني أسعل الماضي دما و رذاذا حزينا للأبد..

3
أقسم قلبي إلى نصفين: نصف للإعارة, و نصف للأغبياء.

4
روحي تندلق مني بسلاسة يستغلها الآخرون بغباء واضح جدا أتجاهله و لا أبدي علمي به.

5
قلبي وقع مرة على الرصيف, لم يلتقطه السابلة و لم تأخذه الريح, في كل يوم أمر عنه, أرى أثر الحذاء نفسه الذي ينتعله ذاك الرجل.

6
هو محبط مني كثيرا و السبب هو شيطانه و تعب ضميري .

7
لا أحد يحل محل الذي رحل.

8
لا بُد و أن صديقاتي في الجامعة يقرأن مذكراتي, و يتفقن على موعد لترميم الشجرة النائية التي أهلكتها بنحت أسمائنا على جذوعها الطويلة مثل نهر لا مصب له..

9
أفكاركَ عن العزلة سيئة مثل أوقات الفراغ في عطلة الصيف, عزلتكَ أستاذ عجوز وصلت به الكهولة إلى مرحلة تهب الأطفال الطلاب مرحَ ملاحقتكَ بالحجارة, يرشقون أستاذهم القديم بالحجارة و الطباشير. هم لا ينتقمون بل يشعرون بغريزة الزمن تدفعهم نحوكَ ببراءة مجهولة !.

10
في طريقي إلى الجامعة, سقط هاتفي الخلوي في بركة ماء, كلما هاتفني أحد ما فإن صوتي يصله كموج البحر أو متقطعا مثل ماء يسيل من حنفية ينهشها الصدأ. منذها و صوتي الحقيقي و الطبيعي لم يرجع إليَّ !. في محاضرة اللغة العبرية حين سألني الدكتور عن معنى كلمة “هآرتس”, رشح العرق مني و أنا أحاول الإجابة و أخيرا نطقتُ ” الأرض” , لقد رأيتُ صوتي يبلل كل من في القاعة.

أمّهات


في نفس الوقت الذي كنتُ أحلم فيه بأمي, كان الجندي يحلم بأمهِ. حين صحوتُ رفعتُ رأسي الذابل عن ضريح أمي, الجندي كان متيقظا لغفوتي المطاردة, كان يراقبني بمكر و ينتظر خروجي من المقبرة ليستجوب رخام القبر, كان الصمت مسلحا في تلك اللحظة.. وددتُ لو أسأل الجندي: في أي مستعمرة تحيا أمكَ.