لمَّا أكبر؛ بدي أحبّْ شبْ يكون اسمه غسّان, نتجوّز و نرجع مع بعض ع حيفا..
Author: Kawther Ljustermo
القميص المسروق
● ● ●
إن هذا المطر لن ينتهي الليلة، هذا يعني انه لن ينام، بل سيظل منكبا على رفشه، يحفر طريقا تجر المياه الموحلة بعيدا عن أوتاد الخيمة، لقد أوشك ظهره أن يعتاد ضرب المطر البارد.. بل إن هذا البرد يعطيه شعورا لذيذا بالخدر.
انه يشم رائحة الدخان، لقد أشعلت زوجه النار لتخبز الطحين، كم يود لو انه ينتهي من هذا الخندق، فيدخل الخيمة، ويدس كفيه الباردتين في النار حتى الاحتراق، لا شك انه يستطيع ان يقبض على الشعلة بأصابعه، وان ينقلها من يد إلى أخرى حتى يذهب هذا الجليد عنهما.
. ولكنه يخاف ان يدخل هذه الخيمة، ان في محاجر زوجه سؤالا رهيبا ما زال يقرع فيهما منذ زمن بعيد، لا، ان البرد اقل قسوة من السؤال الرهيب.ستقول له اذا ما دخل وهي تغرس كفيها في العجين، وتغرس عينيها في عيونه:هل وجدت عملا؟ماذا سنأكل اذن؟ كيف استطاع(ابو فلان) ان يشتغل هنا وكيف استطاع(ابو علنتان) ان يشتغل هناك؟ثم ستشير الى عبد الرحمن المكور في زاوية الخيمة كالقط الكبول، و ستهز رأسها بصمت ابلغ من الف الف عتاب.. ماذا عنده الليلة ليقول لها سوى ما يقوله في كل ليلة..
-هل تريدينني ان اسرق لا حل مشاكل عبد الرحمن؟
ونصب قامته بهدوء لاهث، ثم ما لبث ان عاد، فاتكأ على الرفش المكسور، وانشأ يحدق بالخيمة الداكنة مستشعرا قلقا عظيماوهو يسأل نفسه:
– وماذا لو سرقت؟
ان مخازن وكالة الغوث الدولية تقع على مقربة من الخيام، ان قرر ان يبدأ فهو يستطيع بالتأكيد ان ينزلق الى حيث يتكدس الطحين والرز، من ثقب ما سيجده هنا او هناك، ثم ان المال ليس حلال احد، لقد اتى من هناك، من عند ناس قال عنهم استاذ المدرسة لعبد الرحمن انهم ” يقتلون القتيل ويمشون في جنازته” فماذا يضر الناس لو انه سرق كيس طحين.. كيسين.. عشرة؟وماذا لو باع شيئا من هذا الطحين الى واحد من اولئك الذين يتمتعون بقدرة عظيمة على استنشاق روائح مسروقات، وبقدرة اعظم في المساومة على ثمنها؟
ولذت له الفكرة، فدأب بعزم اشد على اتمام حفر الخندق فيما حول الخيمة و اخذ يسأل نفسه من جديد ان لماذا لا يبدأ مغامرته منذ الآن؟ان المطر شديد والحارس مشغول بأمر البرد اكثر من انشغاله بمصلحة وكالة الغوث الدولية، فلماذا لا يبدأ الآن؟ لماذا؟
– ماذا تعمل يا أبا العبد؟
ورفع رأسه الى جهة الصوت، وميز شبح ابي سمير قادما من بين صفي الخيام المغروسة الى ما لا نهاية الظلمة..
-انني احفر طحينا..
– تحفر ماذا؟
– احفر.. احفر.. خندقا..
وسمع ضحكة ابي سمير الرفيعة التي سرعان ما تلاشت في ثرثرته:
– يبدو انك تفكر بالطحين، ان التوزيع سيتأخر الى ما بعد العشرة الايام الاولى من الشهر القادم، اي بعد خمسة عشر يوما تقريبا، فلا تفكر منذ الآن الا اذا كنت تنوي ان تستعير كيسا او كيسين من المخزن..
ورأى ذراع ابي سمير تشير باتجاه المخازن، ولمح على شفتيه السميكتين ظلا لابتسامة خبيثة، وشعر بصعوبة الموقف، فعاد يضرب الارض برفشه المكسور.
– خد هذه السيكارة.. ولكن لا، انك لن تستفيد منها فالمطر مزعج.. لقد نسيت ان السماء تمطر، عقل من الطحين.. مثل الحجر..
واحس بضيق يأخذ بخناقه، انه يكره ابا سمير منذ زمن بعيد، هذا الثرثار الخبيث:
– ما الذي اخرجك في هذا المطر؟
– خرجت.. خرجت لاسألك ان كنت تريد المساعدة.
– لا.. شكرا..
-هل ستحفر طويلا؟
– معظم الليل..
– لم اقل لك ان تحفر خندقك في النهار؟انك دائما تذهب الى حيث لا ادري وتترك الخيمة.. هل تذهب للبحث عن خاتم سليمان؟
– لا.. عن شغل..
ورفع رأسه عن الرفش وهو يلهث..
– لماذا لا تذهب لتنام وتتركني وحدي؟
واقترب منه ابو سمير بهدوء جم ووضع كفّه يهزها ببطء وهو يقول بصوت مخنوق:
– اسمع يا ابا العبد، ان رأيت الآن كيس طحين يمشي من امامك فلا تذع الخبر لاحد!
– كيف؟
قالها ابو العبد وصدره ينبض بعنف، وشم رائحة التبغ من فم ابي سمير وهو يهمس وقد فتح عيونه على سعها:
– هناك اكياس طحين تمشي في الليل وتذهب الى هناك..
– الى اين؟
– الى هناك..
حاول ابو العبد ان يرى الى اين يشير ابو سمير ولكنه وجد ذراعيه مسدلتين على جنبيه، بينما سمع صوته يهمس ببحة عميقة:
– ستأخذ نصيبك.
– هل هناك ثقب تدخلون منه؟
ورفع ابو سمير رأسه نافيا ومفرقعا لسانه بمرح، ثم همس بصوت نصف مبحوح:
– ان اكياس الطحين تخرج لوحدها.. انها تمشي!
-انك مجنون ..
– لا، بل انت مسكين.. اسمع، ولندخل في الموضوع مباشرة، ان ما علينا هو ان نخرج اكياس الطحين من المخزن ونذهب بها هناك، ان الحارس سيمهد لنا كل شيء كما يفعل دائما، ان الذي سيتولى البيع ليس انا، ولا انت، انه الموظف الامريكي الاشقر في الوكالة.. لا، لا تعجب، كل شيء يصبح جائزا ومعقولا بعد الاتفاق.الأمريكي يبيع، وأنا اقبض، والحارس يقبض.. وأنت تقبض، وكله بالاتفاق، فما رأيك؟
وشعر ابو العبد ان القضية اشد تعقيدا من سرقة كيس اوكيسين، اوعشرة، ورواده شعور لزج بالقرف من المعاملة مع هذا الانسان.. ثقيل الدم كما تعارفوا عليه في المخيم كله.. ولكنه في الوقت ذاته راقه ان يعود يوما الى خيمته وفي يده قميص جديد لعبد الرحمن، واغراض صغيرة لام العبد بعد هذا الحرمان الطويل، كم ستكون ابتسامتاهما جميلتين، ان ابتسامة عبد الرحمن، لوحدها، تستحق المغامرة لا شك، ولكنه لو فشل.. اي مصير اسود ينتظر ام العبد وولدها.. يومها سيحمل عبدالرحمن صندوق مسح الاحذية ليتكور في الشارع هازا رأسه الصغير فوق الاحذية الانيقة، يا للمصير الاسود، ولكنه لو نجح فسيبدو عبد الرحمن انسانا جديدا، وسيقتلع من عيون زوجه ذلك السؤال المخيف. لو نجح، فستنتهي مأساة الخندق في كل ليلة ممطرة، وسيعيش حيث لا يستطيع ان يتصور الآن..
– لماذا لا تترك هذا الخندق الملعون، لبدأ قبل ان تشرق الشمس؟
نعم لماذا لا يترك الخندق.. ان عبد الرحمن يلهث من البرد في طرف الخيمة، ويكاد يحس انفاسه تلفح جبينه البارد.. كم يود لو انه ينتشل عبد الرحمن من هزاله وخوفه، لقد اوشك المطر ان ينقطع، وبدأ القمر في السماء يمزق طريقا وعرا..
وابوسمير، ما زال واقفا امامه كالشبح الاسود، غارسا قدميه الكبيرتين في الوحل، رافعا ياقة معطفه العتيق الى ما فوق اذنيه، انه ما زال واقفا ينتظر، هذا الانسان الواقف امامه، يحمل معه قدرا جديدا غامضا، يساومه ليرفع معه الاكياس من المخزن، الى مكان ما، يأتيه الامريكي كل شهر ويقف امام اكوام الطحين يفرك راحتيه النظيفتين، ويضحك بعيون زرقاء كعيون قط يتحفز امام جحر فأر مسكين.
– منذ متى وانت تتعامل مع هذا الحارس وذلك الموظف؟
– هل تريد ان تحقق معي ام تأخذ ثمن الطحين وتذهب لتشتري الشياطين؟اسمع ان هذا الامريكي صديقي، وهو انسان يحب العمل المنظم، انه يطلب مني دائما ان اضع الوقت بالمقدمة. وهو لا يحب التأخير في المواعيد.. علينا ان نبدأ الآن. اسرع.
و عاد يتصور الامريكي واقفا امام اكياس الطحين، يضحك بعيون زرقاء ضيقة ويفرك راحتيه النظيفتين بحبور وطمأنينة، فشعر بضيق غريب، وخطر له ان ذلك الامريكي كان يبيع الطحين في الوقت الذي كان يقول فيه لرجال المخيم ولنسائه ان توزيع الاغاثة سيتأجل الى نهاية الايام العشرة الاولى من الشهر، واحس بنقمة طاغية، هي صدى لاحساساته يوم كان يرجع من المخازن ليقول لزوجته بصوت كسير انهم اجلوا توزيع الطحين عشرة ايام، كم هي مؤلمة خيبة الامل التي كانت ترتسم في وجهها الاسمر المجهد، لقد كان يحس الغصة تتعلق بالف ذراع في حنجرته وهي تنظر بصمت مريع الى كيس الطحين الفارغ يتأرجح على ذراعه كالمشنوق.. لقد كانت تعني في نظرتها تلك ان عشرة ايام ستمضي قبل ان يجدوا طحينا للاكل. كان يبدو له ايضا ان عبد الرحمن يفهم الموقف تماما، لقد كان يكف عن طلب الاكل بالحاح..
في كل خيام قريةالنازحين كانت العيون المتلهفة تقع في خيبة الامل ذاتها، كان على كل طفل في المخيم ان ينتظر عشرة ايام ليأكل خبزا. هذا اذن هو سبب التأجيل، ابو سمير الواقف امامه كالشبح الاسود، غارسا قدميه في الطين قلقا لمصير مساوماته، هو والامريكي الذي يفرك راحتيه النظيفتين امام اكوام الطحين وهويضحك بعيون زرقاء ضيقة..
لم يدر كيف رفع الرفش الى ما فوق رأسه وكيف هوى به بعنف رهيب على رأس ابي سمير، وهويصيح في وجهها ان الطحين لن يتأجل توزيعه هذا الشهر..
كان لا يزال راغبا في ان يراه يبتسم لقميص جديد..
فأخذ يبكي..
صلاة بتول
ابنة أختي لم تعُد تحب الله لأن أباها لم يشترِ لها لعبة!, تعتقد أن الأب هو الله, و من حقِّها الغضب منه إن ضربها أو لم يأخذها نزهة إلى البحر..
– بتول هيّا أعلِّمكِ الصلاة
رفضت بتول ذلك و قالت بمكر طفولي بريء ” إن اشترى بابا لي لعبة سأصلّي “.
اشترى لها لعبة و فوجئت أنها تصلي.. صلاة فطرية رائعة.. قلتُ لها ” لمن تصلّين؟ ” , قالت ” لله “, قلتُ ” و من هوَ؟ ” , قالت ” الله هو الذي جعل بابا يشتري لعبة لي “.
و صارت بتول تُحبُّ أباها أكثر لأنه يُطيع الله الذي جعل أباها يشتري لها لعبة .
شجرة طائرة
في شارع دمشق بغزة نتّجه إلى وزارة الخارجية لأجل توقيع يُقال أنه ” لازم “, تتأبّط مريم شهادة الهندسة المعمارية, تتأبّط بيوت غزة و شوارعها و بقايا حربها و حزنها.. تتأبَّط عمارة تهيل بالقرب منّا و ندخل مع ذكرياتها بوّابة الوزارة حيث ينتظرنا وقت طويل كي يصل دورنا و يُوقّع ذلك الموظّف المتعجرف ” الشهادة ” .
طابور طويل يصطف أمام نافذة صغيرة يطل منها رأس فارغ من التفكير, همّه الأول هو الخلاص من ضجّة الناس المنتظرين توقيعه.. يرتشف كوب النص كافيه, على مهل, و المساكين أمامه ينتظرون.. مريم تنتظر التوقيع بتذمُّر و قليلا من الصبر, بينما أنا أبحث في ملل الانتظار عن طائر مزروع أو شجرة طائرة!.
في عزّ الظهيرة نقف بثبات أمل و هزال عربي ذليل, و أخيرا جاء دور توقيع ورقتنا.
نحتفل بالتوقيع على مائدة هي مجرد برميل ماء متصحّر, نشرب كوبين بلاستيكيين من عصير الجوافا البارد و نترك الكوبين يعانيان من الجفاف على البرميل, ثم نتّجه إلى بريد أرامكس.
سنرسل الشهادة الموقّعة من وزارة الخارجية إلى الامارات العربية الغير مفكّكة, نزعتُ ورقتين من دفتري, ورقة لرسالتي إلى أخوتي هناك, و ورقة لرسالة مريم إلى خطيبها, كتبتُ أشواقي إلى أخوَيّ, و رسمتُ لهما طائرا و شجرة, أمّا مريم فكتبت لخطيبها موعد الزفاف و أخبار معبر رفح.. وضعنا الشهادة و الرسالتين في ظرف ورقي و قبل أن تلصقه موظفة البريد تذكرنا صورة أمي و أبي, وضعناها في الظرف و ألقينا التحيّة على الغربة..
بعد أيّام سيستلم أخي الظرف و يقول ” ياااااااااه شو اشتقت لاختي “.
أسرتي تنقص فردا فردا, أخوتي يسافرون و لا يعودون, ما أصعب الاغتراب. مريم تُعدّ حقيبتها للسفر و الإقامة في دبي, و أبي يهيّئ نفسه للسفر إلى ألمانيا و الاطمئنان شخصيا على ابنه هناك الذي سيصبح فيما بعد طبيبا جراحا, أمّي سترافق مريم إلى الامارات و تحضر حفل زفافها ثم تعود.. وحدها أمي تعالج كبد شوقها بكبد الأمومة و العودة.. كم أحنّ إلى عتمتي الأولى, إنها رحم أمي.. هذه المرأة التي أعطتنا من عمرها أكثر من عدد السنيّ التي تعيشها, كم تعيشين لأجلنا..
في طريقنا إلى البيت, ألقيت عينيّ من نافذة السيّارة كي تبحثان في غزة عن طائر مزروع أو شجرة طائرة! .
قلتُ له إن وجدتها سأعلّق على غصنها البعيد رسالة, لم يسألني عن الرسالة, و انهمك يصفُ لي لحظة نزوحه من فلسطين.
بُكاء البنفسج
مثل البشر : عيون ..
و للعيون حين تعمى ,
مثل الليل : نجوم ..
و للنجوم حين تأفل ,
مثل الأرض خلود ..
و عند الخلود أرضٌ
و حزنٌ و مللْ ..
سحابٌ سحوحٌ
لا شيء .. فالورد انقتلْ .
و نَقَشَ الدمع على الشفاه قُبلْ
فانطبع يأس على الورق
يُضيىء حرفًا من أرقْ .
امرأةً تُجدد التوبة
يااا أللللله ! ؛ ما الذي ارتكبت ؟!
رصاص يغتصب النوافذ
لا بأس إن تكحلت الأمهات
بالبارود
و أنقذنَ ضحايا اليُتم
من الموت .
لا بأس؛
فللأمهات حين يمُتنَ ,
مثل الشهيد : فردوس و جنة ..
و اسم للخلود .
و للخلود حين يكون ,
مثل الرصيف : عابرون ..
زرع السكارى حول المقاهي ,
بنفسج ..
و سيّجوا الورد
بشوك الانتظار ..
و القمر علق على المشاجب ,
العيون..
تخضر الأهداب ,
و لا تخضر الخطى عند الحدود .
خبز البلادْ
” بيقولوا انه خبز البلاد أزكى و لونو حلو كثير ” , كان يقف مع زوجته أمام مخبز الطابون في شارع فكتور هوجو, يثرثر دون أن ينتبه إليها.. كانت تعض على شفتها السفلى, و تكابد ألما مفاجئا يشتد في بطنها.. مدّ إليه الخبّاز كيس الخبز و قال باستعجال ” أعطي الشاب خمس شواكل ” .. كان الخبّاز يبدو للمشتري أنه المسئول عن المخبز و عمّاله, حاجباه السميكان, وجهه المدوّر مثل أرغفة الخبز, أنفه المنتفخ بشكل يثير السخرية, جسده الممتلئ و المترهل, سمين لكنه رشيق, يتنقّل من فرن إلى آخر بسرعة, يلقي تعليماته على هذا العامل, و يأمر ذاك, و يشتم هذا الذي احترقت أرغفته بسبب شرود ذهنه عن الفرن..
دفع أبو وليد مقداد ثمن الخبز للشاب و مضى إلى الشارع ليوقف سيارة تقله إلى البيت, توقّفت سيارة أجرة صفراء, و قبل أن يركب تذكّر زوجته, أين هي؟!.. نظر خلفه فإذا بها ما تزال تمشي و تجر قدميها نحوه بإجهاد و تعب.
كانت حبّات عرق تنزّ من وجهها الشاحب, جلست إلى جانبه في السيارة و لهاثها الساخن يلفع وجهه, سألها باستغراب ” هل أنتِ بخير ؟ ” , ضغطت بيدها على بطنها و قالت بصعوبة “يوجعني.. كثيرا ” , تأوّهت و نشجت بصمت حتى لا يسمعها الركاب الآخرين, شعر زوجها بأن ألمها طارئ و يحتاج إلى طبيب, طلب من السائق أن ينزلهما عند المشفى السويدي.
جاء الطبيب بعد دقائق, قال مبتسما لأبي وليد ” مبروك ” , فهم أن زوجته حامل, هرول إلى غرفة الفحص و بارك لزوجته طفلهما القادم.. كان ينقصه جناحين ليطير من شدة الفرح, بينما زوجته لم تتوقّف عن البكاء..
استمرت تبكي حتى الشهر الخامس من حملها!, ظنّ أبو وليد أن بكاءها مجرد حالة نفسية كالتي أصيبت بها في حمل ابنها وليد, لكنّ الأمر مختلف هنا !.
كان يأتي إليها بالسمك الذي يصطاده من البحر الممتد أمام المخيم, لم ينقطع السمك عن البيت تسعة أشهر, يخرج عند طلوع الفجر إلى البحر ليعود في آخر النهار ببضعة سمكات, أحيانا يستولي عليه التذمر, فيجلس مع أصدقائه العاطلين عن العمل, في أحد أزقّة مخيم الشاطئ, يتداولون مشاكلهم اليوميّة مثل انقطاع التيار الكهربائي المستمر و شحّ المياه و تلوثها, و يجدون في أحاديثهم منفذا للهروب من مأساة اللجوء و متنفسا ينشقون منه هواء الحرية و نسيم الذكريات.. يتجادلون و يحتد بينهم النقاش عن الأوضاع السياسية في البلد, فيختلفون على الأحزاب, فلان لا يستحق الجيرة لأنه يؤيد حزب كذا, و فلان ابنه انسحب من حزب الكذا.. أبو خالد قفّل دكانه و راح يتاجر في الأنفاق.. مرتْ الناطور ماتت حرقة على ابنها اللي استشهد في الحرب.. و أنتَ.. أنتَ يا أبا وليد؟ , هل نهايتك ستكون الموت حرقة على ابنك وليد الذي استشهد في الحرب أيضا ؟.. و لكن ها هو وليد ثانٍ في طريقه إليكَ.. يمسح الرجل المكسور دمعة نبتت في عينه, شمّ رائحة البحر تفوح من بين أصابعه.. عاد إلى بيته, وجد زوجته نائمة و هي تشهق من كثرة البكاء..
صباحًا؛ نهضت أم وليد من نومتها على ضجة الأطفال الذاهبين إلى مدارسهم, لاحظت أن بطنها انتفخ و أن أي امرأة في المؤسسة التي تعمل فيها بطالة بعقد سنوي, ستلاحظ أنها “حامل ” , تحسست بأناملها بطنَها, كانت ترتعش مثل عصفور خائف.. ها هو عمر الجنين دخل في شهره السادس, و النساء اللاتي يعملن معها لم يلحظن ذلك, لا يعرفن عن حمل صديقتهنّ أم وليد.. لا يعرفن أنها في الشهر السادس, و إذا عرفن مؤكد أن إحداهنّ ستنقل الخبر إلى مدير المؤسسة, و بالتالي سيعطيها إجازة ” حمل و ولادة “, و هذه الإجازة السحيقة تبدأ من الشهر الخامس من الحمل حتى الشهر الثاني بعد الولادة.. يعني سبعة أشهر. كانت أم وليد تطرّز على الثوب, و قد عدّت سبعة غرز فيه, لم تخطئ العدّ.. سبعة غرز تساوي سبعة أشهر.. يعني سبعة أشهر تقضيهنّ في البيت و بدون أجر.. يعني أن الفقر سينهش من لحمها و من لحم زوجها مدة سبعة أشعر.. يعني أن أبا وليد سيعود إلى البحر من جديد, و يحارب مع سفينته الموجَ متصالحا مع مرضه الصدري المزمن.. يا إلهي ساعدني..
تغرق أم وليد في دوامة التفكير.. ماذا لو.. لا لن يعرفن أنها دخلت في الشهر السادس.. صحيح أنّ بطنها منتفخ, و لكن ليس كثيرا, طبيعة حملها هكذا, في حمل وليد انتفخ بطنها في الشهر الخامس و بعدها توقّف عن الانتفاخ..
في ذلك اليوم المشرق, اشترى لها أبو وليد ربطة خبز من ذات المخبز, نفسه الذي اكتشفت عنده حملها.. لم تأكل من الخبز لأن شكل صاحب المخبز يشبه شكل مدير المؤسسة التي تعمل فيها.. رمت رغيف الخبز بعيدا عنها و بكت, عادت تبكي ببؤس و يأس, فيما زوجها يثرثر عن ” خبز البلاد ” غير مهتما ببكائها العاديْ ..
مقام الخدش -3-
مع قلبه و خوائه
وحيدا يكتب القصص..
قصيرة, عن شتاء و صيف
و قمر مكسور على
نافذته
بالقرب من سريره
(3)
يحلم
دائما يحلم
بغير المستحيل: يحيكه لهُ القَدر
امرأةً و ضجّةَ بيت
و طفلا يخربش دفاتره
و بنتًا بجديلتين تتشاجر و تقول ” بابا “
(4)
طوق الياسمين حول عنق الحمام,
الحمام الذي يتحوّل ليلا إلى سلام..
.. و في الصباح يصير قلبكَ
و يطير
يطير الحمام
إلى أغنيات فيروز
و شِعر درويش
(5)
في الابن الأخير
أعني “الكتاب”
كتابك الذي شاختْ نساؤه
قرأتُ شابا
يضيع ليصلي
يبكي ليشعل غابة السماء
و ينهمي المطر
هناك رجع صدى لطفولة بحر
و موج يتسيّد الوحدة
(6)
حولَ اصبعك
خاتم الغياب .
غِبْ عن المدن الحاضرة
و اسدل ستار وحدتكَ على حضارة الندى
عتمة تملأ فراغات
بلبل يهدي السنونو صوتَه
في الغياب
امرأة غائبة
تزرع من الشمس حضوركَ
(1)
هُوَ
