في البدءِ والخاتِمةْ / نص لخالد جمعة

● ● ●
حينَ يخدعُني قلبي، أقولُ للموسيقى الوحيدةِ في فراغِ الإنتباه: روحي فوضى مساءاتٍ لا تُفهَمُ، تنسابُ الموسيقى في شقوقِ الروحِ كما تنسابُ امرأةٌ ترقصُ في خلايا عاشقِها الذي يغرفُ حزنَهُ من بحرِ عينيها، متمزّقاً وحيداً مُجْهَداً على شفا السقوطِ دونَ صوتٍ، خالقاً قامَتَهُ تحتَ جلدِه، مبتدئاً حربَهُ التي يعرفُ نتيجتَها وتفاصيلَها: هزيمتَهُ في البدء والخاتمةْ.
“أيُّ وجعٍ ينمو في تفاصيلِ الجسدِ حينَ تشدُّه المأساةُ وتفتِّتُهُ إلى شبقٍ وجفافٍ كثيرينِ ومعنى للماءِ أكثرَ من الماءْ؟”

سوفَ أُحِبُّكَ حتى يتغيَّرَ لونُ السّماءِ وتنفَتِحُ الأناشيدُ في قلوبِ الحالمينَ ورداً وسلالمَ من نورٍ يرتقي الخلودَ على مهلٍ، قالتْ، حدّقَ في كلامِ يديها منتبهاً إلى ورودِ النار تلقيها على الحقلِ الواسعِ جوارَ الموتْ، لم يُجِبْها بأيّةِ لغةٍ لكنّهُ قال كلَّ ما أرادَتْ سماعَهُ، لماذا أتيتِ والنارُ في حرش الكلامْ؟
“تتمدَّدُ على طاولةِ المتحفِ محاطةً بزجاجٍ سميكٍ ومشاهدين من أعراقٍ بالجملةِ، محدثي نعمةٍ وصائدي ذكرياتٍ مُهمَلونَ، نسِيَتْ أنهارَها وأوتارَها وأشجارَها حينَ لم يعُدْ معنى الحنينِ إلى الحنين، تصحو من الموتِ لتبحثَ عن شاهدٍ على الحياةِ، وتموتُ كما تنامُ”

قلتُ: عليكِ أن تفهمي وحوشي وغاباتِها، أن تلتقطي شعرةً من خواطري الغامضةِ كي تلفّي موتي ككائنٍ منفردٍ وحزينْ، احتاجُ إلى حُبِّكِ كي أميّزَ بينَ حزني وانكساري، أحتاجُ عينيكِ كي أرسمَ رؤيةَ العالمِ من أدراجٍ لم يصعدْها أحدٌ ولم يغنِّ على ظلالِها أحدْ،
قالت: وقتُكَ لكْ، ووقتي للتفاصيلِ الأنثويّةِ الخارجةِ من أفرانِ الكروم التي تُنضِجُ عِنباً على مهلٍ حالمٍ، يقفُ على جانبيه حُرّاسُ الكلام.
“قالتْ كلاماً من لؤلؤٍ مثقوبٍ وجاهزٍ للقلادةِ، ولم تقُلْ أنها لوَّنَتْ روحَها في صندوقِ النارِ كي تخدعَ رجلاً محتَملاً لحُلمٍ محتملٍ، لم يفهمْها ولم تكترث”

قالتْ: فقدتُ سريرَ ذاكرَتي حينَ سقطَ الموتُ من سقفِ الغرفةِ، حين عَرّيتُ صوتي أمامَ مرآةِ الهواءِ لأقلّدَ عصفوراً على شبّاكِ النومْ، أسَّستُ شعائرَ تعيدُ الأمكنةَ إلى ذكرياتِها…
“ينفصلُ البيتُ عن ذكرياتِهِ كمولودٍ عن أمِّهِ، كصوتٍ عن فمِهِ”

ذائبةً في مواعيدَ لم يأتِ إليها أحَدْ، تشقّقَتْ لغةُ انتظارِها، أكملَتْ طقوسَ انتقامِها كسيدةِ مقامٍ عريقةٍ، ورودٌ في الجوارِ، بخورٌ يجلِّدُ الهواءَ، كتبٌ عن الحبِّ على الرفِّ القديم، موسيقى أكثرُ من خافتةٍ تنبعُ من الحائطِ، أوراقٌ معبّأةٌ بخططٍ للحياةِ، صرختان في الثلاجةِ، كلماتُ عشقٍ لم تقلها لأحدْ، لوحةٌ من خشبٍ وطباشيرٌ ملوّنةٌ، وجسدٌ مكتنزٌ بالغيمِ ينتحرُ بالمطرْ.
“ينتحرُ ناقلُ المشهدِ قبلَ انتحارِها”

21 تشرين أول 2009

* خالد جمعة:
شاعر و كاتب من غزة
مواليد 1965

أرملة السراب

[ من نصوص غارقة في الهذيان و اللهفة و الموْت ! ]

” يأتي و لا يأتي
ذئب الليل
و لأن نجوم يوسف قريبة من الأرض
فإن الدم مضيء “

(1)
كان ليله مسكونا بالوجع و الشبق.. كان يحبُّ أكثر من مرّة, و في كل مرّة كان ينكسر أكثر من امرأة, عوى من شرفته ” تعالي أنتِ وحدكِ عارية من أسمالهنّ “, من بعيد جاء لاهثا إلى ثلوجي, اتفقنا على لون واحد للثلج و هو ” الليل “, و صغنا معا آخر المواعيد.. صاغ من النجوم موته الجائع, و ألقى عليّ وصيته بأن أكبر بدونه مثل الحياة.

(2)
يمشي في الضباب الصباحي, على كتفه معطف الشتاء, أمامه ماضيه و خلفه مستقبل حدّثني أنه سوف يكون ” مثيرْ ” لو أنفعل مع جنونه و نوبات خياله.. قلتُ ” لا “. تبعني حتى اختنق وعيي, استسلمتُ و أكملنا المشي معا في ضباب سرمدي..

(3)
عرضَ عليّ أن آكل من لحمه, سرتْ قشعريرة طويلة امتدت في عمودي الفقري, أرعبني كلامه. الآن, بعد كل الأيام التي مضتْ, ندمتُ, كيف تركتُ لحم قلبي يأكله الفراغ؟.. ليتني أكلتكَ يا أنتَ ( )

(4)
هي منامات البحر, هي عشب الغيوم, أو أو أو هي شهوة العواء, تبتلع الخراطيم الصغيرة قرقعة النراجيل, بدأت الفوضى تتخلى عن المقهى, يبقى الرجل في مكانه قرب النافذة, يتهيّأ لاحتواء جزيرة عوائه, النادل يستعدّ للدهشة و الخوف.. كأنها هيَ, سيّدة الحواس, تدخل المقهى, أحيانا طفلة و أحيانا امراة و أحيانا كهلة و أحيانا شجرة و أحيانا ارض و أحيانا ليل و أحيانا ليل و ليل و ليل

(5)
قالت: لا حزن يعوّضني عن الذي فقدت. كانت محاطة برائحة الماضي و عويل الرياح, يكفيها وردة لتتذكّر أن المقابر تحتوي أسرارا كثيرة من بينها ” الحب “.

(6)
كنّا كلّما اقتربنا من الحلم؛ ينكسر الليل و ننام على غصن لا يشبه الشجر.

(7)
في الطابق الخامس.. كانت السماء قلقة, و أنتَ مطمئن, لأنني أحبكَ كثيرا و لا أعترض على طريقتكَ الغامضة و المدهشة في الحب!..

(8)
الذي أفتقده, جاءني اليوم على هيأة غبار ناعس, مدّ إليّ يديه من بين الفراغ, ابتسم لي ابتسامته الخفيفة كالطيف, لمستُ أنفاسه, تحسّسَ اشتياقي, عدّ أصابع غيابه و عاد إلى مكانه البعيد.. عوْ

(9)
أحتاج إلى قتل.. إلى قليل من الموت, حتى أنهض من عواءٍ يأتيني مطعونا بالغياب, يقول لي: الريح حول قبري باردة و جافة فاحرقي النصوص و أسرار الليل !!

(10)
عَوْ

إجاصة اللاجئ الرائع

لن ينسى لون قمصانهم الزرقاء, و سيظل حاقدا على السماء مهما عاش, صار الأزرق ركام ذاكرته الذي لا يردمه النسيان. كانوا حوالي خمسين ولدا من أولاد صفّه, الصف الخامس الابتدائي “ج”, تحلّقوا حوله في ساحة المدرسة و ضحكاتهم تخنقه, سعيد يترأسهم و يهتف ” رائع “, يصفق الأولاد و يهتفون بعده ” راااائع “, يزلزلون كيان الطفل الصغير, يطأطئ رأسه و يودّ لو تبتلعه الأرض قبل أن تهزم عينيه الدموع, إلا أنه يستسلم لضعفه الطفولي البريء و يبكي بصوت عال, يلتم طلاب المدرسة حول الطفل ” الرائع” و يزفونه زفة الجحيم !.. رائع, رائع, رائع !!
ألبسته المدرسة اسم ” محيي الرائع”, المدرسون و الطلاب و المدير و آذن المدرسة.. ” يا رائع ليش ما حليت واجبك؟”, يا رائع جيب من عند المدير دفتر التحضير, رائع تعال نلعب, رائع رائع رائع.. أي كابوس هذا الذي يلاحقه منذ الصف الخامس؟. كره الكتب و الدفاتر, و أصابته حالة كآبة تستولي عليه صباحا, في الوقت نفسه الذي كانت تنطلق منه جوقة “رائع” منذ خروجه من البيت و حتى وصوله إلى المدرسة و انتهاء الدوام.
سنة كاملة من ال “رائع”, سنة كاملة من البكاء, سنة كاملة من البحث عن جحر الاختفاء و الهروب من طبول طلاب المدرسة. يا إلهي لماذا جعلتني “رائع”؟..
يستيقظ في آخر الليل من نومه فزعا, غارقا في بحر عرق أشد ملوحة من دموعه, يقفز عن سريره, ينظر إلى القمر و يتوسّله بأن لا يغيب حتى يطول الليل و لا يأتي نهار المآسي, و شمس رائع..
كان يتمنى أن يخبر أمه عن كابوسه اليومي, لكنه في كل مرة يقرر أن يخبرها كان يتراجع خوفا من أن تُشيع الخبر بين اخوته فتنتقل عدوى الطبول إليهم و يفعلون مثلما يفعل طلاب المدرسة معه, يكفيه ما يلاقيه في المدرسة, لا ينقصه أن يلقبوه في البيت بِـ “رائع”, فضيحة, وجع, دموع عملاقة, أكبر من طفل تقزّمت مشاعره بسبب أنفه المشوّه.
مخطوفا بالهلع, تسلل من بين أصدقائه في الطابور المدرسي, هرول إلى الصف متخفيّا قبل أن يلتقطه المدير, كم كان الطفل خائفا من الرجل الأجنبي الذي بدأ يصوّر الطلاب فرادا و جماعات, تشاجر الطلاب على الوقوف في الصف الأول من الطابور, انتشر المصورون الأجانب و شرعوا يلتقطون الصور الكثيرة لأخذها معهم إلى بلادهم الشقراء البعيدة, كدليل على بهجة الطلاب اللاجئين في مدارس وكالة الغوث و حقهم في الحياة و التعليم. أغلق محيي خلفه باب الصف, لا يدري كيف يتصرف و ماذا سيفعل؟, استرق نظرات سريعة إلى أصدقائه و هم يتعاركون على الكاميرا, كان سعيد الملعون يربح أكثر من صورة, لم تكن لسعيد ملامح الطفل, كان جسده يحمل جثة شاب سيكون ملاكما, و بالرغم من أنه طالب راسب إلا أن الأساتذة يعاملوه مثلما يعاملون الأوّل على الصف, روحه الحيوية و فكاهته اللطيفة كانت كفيلة بأن تُبرزه أمام الأساتذة بمظهر الطالب الذكي الذي يسلب لهوه علاماته في الامتحانات.
أحيانا يتحوّل المدح إلى ذم, ” رائع ” أقسى ذم يتقاذفه الطلاب, أمسك محيي إصبع الطباشير و هو يرتجف و كتب كلمة “رائع” ثم محا الكلمة و شعر بانتصار ساذج على أنفه!, تحسس بيديه أنفه, ضغط عليه بعنف, تأوّه بصوت خفيض, راح إلى لوح الألمنيوم المعلّق قرب السبورة, تأمل أنفه, يا لها من مأساة أن ينبت على أنفكَ دملا متقيحا يشبه حبة أجاص فاسدة, غضب من شكله البشع و خربش اللوح بأظافره. جلس على طاولة الأستاذ, و سرح بأفكاره إلى البعيد.. إلى مدرسة في مخيم لا يعرف لاجئوه قصة أنفه و لا يلتفتون إلى دمله و لا يعيرون تشوّه وجهه اهتماما أو تقززا.. حلم بمدرسة جميع طلابها يملكون ثمرة أجاص فاسدة تنمو على أنوفهم..
– محيي
ثمة صوت أجش يناديه من ساحة المدرسة.. نهض الطفل من أفكاره و أحلامه, إنه سعيد, يطارده حيثما هرب و اختبأ, تظاهر بعدم سماعه و لم يردّ أو ينظر إليه من نافذة الصف, لكن المسكين لم ينجُ من شر سعيد, دفع باب الصف بقبضته, و شدّ محيي من كم قميصه.. التصق الطفل بطاولة الأستاذ, سعيد يشده و هو متشبث بحواف الطاولة, ساقاه ترتعدان و لا يتخيّل نفسه واقفا أمام عدسة الكاميرا لتطلع صورة أنفه في أقبح صورة, حتما سوف يتكاثر جمهور “رائع” في كل البلاد, و سيضحك الطلاب الأجانب على شكله بسخرية بذيئة.. انفلتت يداه من الطاولة, وقع على الأرض, ارتطم أنفه بقدم الطاولة, تدحرجت الاجاصة الفاسدة بين المقاعد, سال نهر عديم اللون, تلطّخت أصابع سعيد بالنهر الرائع !

تراب و شجر في جسد امرأة

كانت البنت الصغيرة تفكر في كيفيّة زرع جسدها في التراب, هل بامكانها فعل ذلك؟ و لو حدث أن زرعت جسدها في التراب و أمطرت عليها الدنيا كي تنمو فهل سينبت من جسدها شجر بشري كثير من بنت واحدة ؟. تبدو الفكرة سهلة جدا بالنسبة للبنت المستلقية على سريرها تحت نافذة ضيقة و قمر مصغّر يطل من بين الغيوم المضيئة في السماء.. صباحا؛ تظاهرت بالمرض و لم تذهب إلى مدرستها, بررت لمعلّمتها سبب تغيبها عن المدرسة في ذلك اليوم, قالت بحزن ذكي ان الزقاق المقابل لبيتها قد امتلأ بالمطر و لم تستطع الخروج من باب البيت, المعلمة لم تقتنع بحجة طالبتها الغبيّة, فهي بنت غبية و ترسب في الامتحانات و تقترح على زميلاتها في الصف اقتراحات غير معقولة و لا يفهمها أحد سواها.
سألت نفسي بشفقة ” هل تعاني أختي الصغيرة من عقدة نفسية تتفاقم دون أن ننتبه إليها؟ “. كنتُ الوحيدة التي أتماشى مع حياتها الغامضة و عالمها الخاص المشتعل بالجنون. أحيانا تأتيني في منتصف الليل عارية و تتوسلني بأن أُلبسها قمصان النوم التي اشتريتها ضمن مشتريات أي عروس تخطط مع حبيبها لموعد الزفاف, و في كل مرّة أشعر بلغم ضحك سينفجر في فمي و أضحك حتى تدمير جدران الغرفة, و أحيانا أنهض من نومي فأفاجأ بها جالسة قبالة إصيص الورد في شرفة البيت و أصابعها مغروسة في السماد !.
أخذها أبي إلى طبيب نفساني و عرض عليه مشكلة ابنته الصغيرة, فحص الطبيب جسدها و صوّر دماغها أكثر من صورة فلم يجد أي خلل فيه, و لكي يثبت جدارته في طب النفس أعطى أبي أدوية مهدأة و دعا للبنت بالشفاء العاجل. صارت أمي نحيلة من كثرة البكاء على ابنتها, و تكاد تموت حزنا عليها, يا إلهي ماذا أصاب هذه البنت؟, منذ عقد قراني على ذلك الرجل البعيد و هي تتدهور عقليا!.
جاءت إليّ أمي و طلبت مني أن أترك زوج المستقبل!, لربما تتحسّن أختي و تشفى, تسمّرت أمام أمي و الذهول يلجمني عن الكلام, حسنا, سأفكر بالموضوع, فأنا أحبه و قرار تركه لأجل استرداد عقل أختي قرار صعب و قاس, فكري على مهل و لكن لا تنسي أختكِ, قالت أمي و الدموع تسيل من عينيها الغائرتين في الأمومة و الخوف, أغلقت باب غرفتي خلفها و صوت دقّات قلبها تقترب من مسمعيّ كلما ابتعد جسدها عني..
ليالٍ طويلة لم أنم, أتقلّب على سريري دون جدوى, من الأهم؟ الحبيب أم الأخت؟ لماذا جميع احتمالات سبب مرض أختي تُصبّ في حبيبي؟ ربما يكون السبب في غيره؟ لكن المرض بدأ يظهر عليها منذ عقد قراني عليه!!.
في عطلة يوم الاستقلال, أخذت أختي نزهة إلى البحر, جلسنا بالقرب من الشاطئ على صخرة ضخمة تتخلل الطحالب شقوقها, كانت صامتة صمت المجانين و كان التفكير يغرقني في عمق البحر. أمسكت بيدها و قلت لها بحنان ” ماذا بك يا أختي؟ تكلمي معي “, بانت أسنانها من بين شفتيها كأنها تتهيّأ لضحكة طويلة, لكنها رمت رأسها بين ذراعي و انخرطت تبكي بعنف, ربّت على ظهرها المرتعش, و بعدما حبست دموعها قالت بصوت متهدّج ” لا أصدق كيف ستسافرين بعد أيام قليلة إلى ما وراء البحر, إلى بلد آخر, إلى مخيم آخر.. لماذا لا يسافر خطيبكِ إلى هنا و تعيشين معنا “. ربما في تلك اللحظة بدأت الأمور تتضح, هي حزينة لأنني سوف أسافر إلى مدينة أخرى, و لجوء آخر, مرّ على خطوبتنا أشهر مريرة, و كان المعبر يؤجل زواجنا, فيزة وراء فيزة و في كل مرة لا يحالفني حظ السفر, المعبر يغلق, و رقم الباص الذي من المفترض أن أغادر غزة عبره متأخر, رقم 30, أمامي 29 باص محمل بعشرات المسافرين.. حين أصعد الباص, أتقوقع مع حقيبتي و جواز السفر قرب النافذة, أودّع عيون أهلي, و أمسح عن وجهي غبار غزة, آخر مرة صعدت فيها الباص, أذكر أن رجلا غريبا رمى إليّ من النافذة خاتما ذهبيا و هو يصيح ” ارميه في مصر.. لربما فكّ الحصار عنا”, لم أجتز الحدود و بقي أمامي عشر باصات حتى الآن لم يسافر ركابها المنتظِرين, الباص الأول هو بؤرة السوء عند جميع المسافرين, لأنه محاط بعناية شرطة الحدود و توصيات الوسطاء من ذوي النفوذ في البلدين!, كانت اللعنات و الشتائم تتجه كالسهام على ركاب الباص الأوّل, أما السائق فقد كان ينظر إلى ركاب الباصات المصطفة خلفه عبر المرآة المعلقة في سقف الباص و يحني ظهره اتجاه المقود كأنه يعتذر للمسافرين عن كل الظلم و قهر الانتظار..
امتزجت تناهيدي بماء البحر, قلتُ لها ” قضاء و قدر “, قالت بطفولة ” لازم تتزوج البنت؟ ” قلت ” حسب!”, قالت ” ليش يعني؟, بدها أولاد و تصير أم “, ضحكتُ و شردَ ذهني نحو موجة طائشة على الصخرة التي نجلس عليها.. بعد تلك النزهة عرفت سر جنون أختي, و بقيت أختي تزرع نفسها روحا و جسدا في التراب, كانت قد تزّوجت الأرض

" أوقات جميلة لأخطائنا النضرة " لزياد خداش

عن مؤسسة عبد المحسن القطان صدر مؤخرا للكاتب و القاص الفلسطيني زياد خداش كتابه الموسوم ” أوقات جميلة لأخطائنا النضرة “. يقع الكتاب في 143 صفحة من القطع المتوسط, موزعا عليها ستة عشر نصا يتحدثّ فيها عن تجربته في تدريس الكتابة الإبداعية في مدرسة أمين الحسيني برام الله, قدّم الشاعر و التربوي وسيم الكردي الكتاب نافيًا في بداية مقدمته ذواء ” جذوة الشغب القصصي لدى القاص زياد خداش حين يكتب بعضا من تجاربه في مهنة التدريس من موقعه كمعلم “.
جاء إهداء الكتاب إلى ” هيفاء ” بطلة قصة ” شتاء في قميص رجل “* و التي ترمز إلى الطفولة و الوطن و الذكريات و الحلم المستمر.

و لأن غلاف الكتاب هو العتبة الأولى للنص فانه رُسم على شكل ورطة بريشة الفنان الفلسطيني الشاب جاد سلمان, الورطة يفسرها الكاتب في أضاءته قائلا : ” أنا لستُ رجلا تربويا أبدا, و لم أحلم يوما أن أكون مدرسا, تورطُت في المهنة, و ما زلت بسبب انعدام الخيارات…” ( إضاءات: ص 7).

عنوان الكتاب و معظم عناوين النصوص نجدها عبارة عن جمل اسمية, و قد أراد الكاتب أن تكون عناوينه على هذا النحو لقوة الدلالة الاسمية* من ناحية و لأنها أشد تمكنا و اخف على الذوق السليم من الدلالة الفعلية من ناحية أخرى. أما من الناحية الدلالية فالكاتب أراد بهذا العنوان أن يتلاءم مع القضية الأساسية التي يطرحها و يعالجها في الكتاب و التي تدور أحداثها و مشاكلها في المدرسة و أبطالها هم أستاذ مادة اللغة العربية (و هو الكاتب نفسه) و طلابه الانتحاريون(كما يصفهم الكاتب في كتابه).
و الأوقات الجميلة هي تلك الأوقات التي يقضيها الأستاذ مع طلابه في المدرسة أو خارج أسوارها حين يتمردون و يقفزون عن السور طائرين إلى الجبل المجاور لها كي يتناقشون مع بعضهم البعض و يحللون أخطاءهم النضرة و إيجاد الحلول الحداثية لها كما حدث مع الطالب أيمن في ( حكاية أيمن الطالب المذعور الذي ضبط في الصف يتحسس جسده : ص79)

المعلّم المغامر و انقلاب طلابه
في كتابه ” الرواة على بيدر الحكمة ” اعتبر الناقد إبراهيم السعافين أن زياد خدّاش من جيل المغامرات المفتوحة الذين انطلقوا من واقع التجريب, حيث إنه كتب عن الحياة السيئة و الواقع المرير الذي يعاني منه الفلسطيني بشكل خاص و العربي بشكل عام. و تتجلى شخصية زياد المغامر في زياد المعلّم الذي يرفض بشدّة القوانين المدرسية الصارمة و التي تكتم أنفاس الطلاب الأبرياء و تحطّ من قدرهم بطريقة و بأخرى, مما يدفعهم إلى أن يقترحوا على أستاذهم ” احتلال المدرسة ” و السيطرة على كل ممتلكاتها, بداية من الميكرفون و الطباشير و المقاعد المرصوصة في الصفوف و الكتب المقررة حتى العنف المتمثل في البرابيج !, من هنا ينقلب الطلاب على مدير المدرسة و يسجنونه مع بقية الأساتذة في مكتبه خلال اجتماع إداري مع هيئة التدريس في المدرسة ( طلابي الانتحاريون يحتلون المدرسة: ص 105 ).

الطيران و القفز عن سور المدرسة
تتكرر كلمات و ألفاظ التمرد في نصوص الكتاب بشكل متعمد و أحيانا عفوي يفيض من روح المعلم المتذمر الذي” تورط في مهنة التدريس بسبب انعدام الخيارات” (ص7). كان القفز و الطيران من أهم الألفاظ الفعلية المتمردة: حرب, جنون,كسر, خيال, عصيان, تخريب,إطاحة, جنود,.. إلخ. و كلها ألفاظ تدل بوضوح على الإرادة القوية و العصيان ضد القوانين المدرسية الإلزامية :
” يا أعزائي إنها حرب أخرى سنخوضها هذا العام ” ( ص23)
” قررت أن أبدا بشن أول المعارك بالتعاون مع جنودي ” ( ص 31 )
” انصرفت متأبطا حربي إلى غرفة المعلمين ” ( ص 42)
” قلت لهم: اقفزوا ورائي واحدا تلو الآخر, مع صيحة يطلقها كل قافز تعبر عن فرحه بالتحرر من الجدران,
قفزت أمامهم, مع صيحة فرح وحشية, قفزوا ورائي, مالئين الدنيا صياحا..” ( جماليات التخريب و سحر اللامتحقق: ص 39 )
” سنطيح بطريقة التفكير القديمة ” ( ص 51)
” هيا نرتكب خروجا عن العادي و اليومي” ( ص 63)
” قال سعيد: سنقفز عن السور كما فعلنا في السابق..” ( ص 84 )

مشروع الرؤية المجنونة للعالم.. و الحلم بالمستحيل
مشروع الرؤية المجنونة للعالم هو مشروع تربوي حديث أكثر مما هو فنتازي ابتكره المعلم/الكاتب ليتعامل مع طلابه بطريقة رائعة يملؤها الحلم و الخيال, يخترعون مع بعضهم البعض العالم المدرسي الحر فيحضرون أقفاص العصافير إلى الصف ليطلقوا سراحها من نوافذه المحفورة في جدران تشبه السجن المرعب ( ص 100).. و يرسمون على السبورة غابة فيها اسود و فيلة و نمور و غزلا ( ص 64): ” قلت لهم رائع جدا يا أصدقائي” , ” شرع الطلاب بحماس شديد بتغيير معالم الصف, اخرجوا المقاعد من الصف, بدأو يقصقصون الأوراق و يشكلونها على شكل أزهار و سناسل و صخور و أشجار و نمور و أسود ” “و هكذا لم يعد الصف صفا..”.
هذه المدرسة كثير من الطلاب يحلمون بها, و لكن تظل أحلامهم مستحيلة لا تتجاوز حدود الخيال. تكمن متعة الحلم في استحالة تحوله إلى واقع متحقق, لأنها لو ” تحققت هذه الأحلام لفقدت كونها أحلاما, لفقدت جمالها و غرائبيتها الخاصة, لأصبحت واقعا مملا..”( ص 45).. المعلّم يفك أسر طلابه من الصف و من الضجر , فيتنصّل من شخصيّة الأستاذ المتعجرف و لأول مرة يحلق مع طلابه في سماء الحلم و لعبة الخيال و تكوين الكلمات, يبدأ معهم بتعريف الكتابة الإبداعية, ثم يكون ذلك سلم الصعود إلى الكذب و القفز خلف سور الكتابة/المدرسة ( انظر نص: تجربتي في تدريس الكتابة الإبداعية للصف السابع, الكتابة كبحث خلف السور: ص 15 ),(ص32),( ص 57)..

مجزرة الخيال و إعدام المخيّلة في منهاج اللغة العربية الفلسطيني
لا يغفل زياد خداش المعلّمُ الكتابَ المدرسي المقرر عليه و على طلابه, فينقد منهاجه و عقل من صاغه: ” فالعقل الذي صاغ هذا المنهاج هو العقل نفسه الذي صاغ منهاج السابع و السادس, فليس من المعقول أن يتطور العقل فجأة ليصبح منهاجا مختلفا, يعتذر عن سطحيته السابقة ” ( حرب ضد اليباب, حرب ضد السطح: ص 23 ), و يسخر من واضعي المنهاج: ” نحن شاكرون لكم جدا إعطائنا المعلومات القيمة حول قواعد اللغة العربية, و قواعد الإملاء و الخط, هذه مهارات نحن ملتزمون بها تماما. و لكننا لن ننصاع لتوجيهاتكم بخصوص طرق التفكير, و آليات مناقشة الدروس, و في مضامين التعبير الخاوية و المملة و القاتلة للمخيلة ” ” لن نقول لهم ذلك بصوت عالٍ, سنهمس ذلك همسا حتى لا يسمعوا. ها ها ها ها ” ( ص 25 ). و يؤكّد ضرورة وجود الخيال و قابلية التخيّل و التأويل و التفكير في دروس كتاب اللغة العربية, فأسئلة الكتاب لا تثير التفكير في ذهن الطالب, دائما هي مكررة و روتينية : ” أين هي الأسئلة التي تدفع إلى جو ذهني يثير التفكير, هل سؤال من نوع ( أُذكر و لمن و بيّن ) يثير تفكيري. و حتى لو اعتبرنا أن هذا النوع من الأسئلة يثير التفكير, كيف يمكن أن يثار تفكير شخص ما لا يمتلك مخيلة, و إن امتلكها فهي كسيحة و عاجزة ؟ فكلمة المخيلة أو الخيال لم ترد في مقدمة المنهاج أبدا, هذه الكلمة الضائعة و المغيبة يفترض فيها أن تشكل فضاء العملية التعليمية كلها ” ( ص 27). و يعتبر الكاتب أن غياب هذه الكلمة ” مجزرة “, إذ يلقي بسبب المشكلة في ذلك على عاتق صائغي المنهاج و هي: ” غياب إيمانهم بأهمية تقديم نصوص تحتمل تأويلات متعددة ” ( ص 29 ) كما في قصة زائر المساء لخليل السواحري. و الكاتب لا يلومهم في ذلك بل يعذرهم : ” فهم ضحايا تربية عقيمة و أساليب بالية و رؤى قديمة ” (ص 31).

هيّا نطارد الدهشة !
الكتاب يعجُّ بالأحلام الصاخبة, و الشغب و الطلاب و المعلمون. نقرأ فيه التمرد على القوانين و الانقلاب على القديم, و لا ننسى فيروز, سنقرأ صوتها مكتوبا بلغة زياد خداش.. هذا الساحر المجنون!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* شتاء في قميص رجل: عنوان قصة من مجموعته القصصية خذيني إلى موتي
* محمد عويس محمد : العنوان في الأدب العربي, النشأة و التطور

زياد خداش:
قاص و كاتب فلسطيني مقيم في مدينة رام الله, و يعمل مدرسا في مدرسة أمين الحسيني, و له العديد من المجموعات القصصية المنشورة.

رسالة رقم " 19 "

زوجتي السمراء و الخضراء والبيضاء و الحمراء: ” سامية ” ..
ها قد نجا الموت مني مرة أخرى, منذ تلك الليلة الطويلة و أنا أفكر ببهاء المقاوم الذي يأكل الرمل قبل أن يضيع, دائما أفكر ” هل ما زلتُ أمتلك شهوة الحياة؟ ” . رفاقي هنا لا يعرفون أنني متزوج و أن لي ابنة و ولد لم يأتِ بعد.. آه كم أشعر بالشوق و الألم كلما تذكرتُ ابني النائم في زمن مجهول من المكان.. المكان نفسه الذي انبلج منه فجر ابنتنا. كيف هي؟ هل كبرت و صارت تحكي ” بابا ” ؟. سوف تضحكين يا سامية إن قلت لكِ أنني ما زلتُ أحسب عمر ابنتنا بعمر الحصار !. لا تجادلينني في ذلك, فأنا متأكد أنها ولدت في أول يوم من أيام الحصار, جارتنا أم رامي كانت عند أهلها حينما نقلناكِ إلى المشفى, و كنتِ في صبيحة ذلك اليوم قد وضعتِ ابنتنا في مهد الحياة.. كم أتذوق مرارة السخرية حين أربط ميلاد ابنة بحصار مدينة! .
لا أستطيع أن أبوح بكِ و بابنتنا لرفاقي, لا لشيء ما.. فقط لأنهم منشغلون في الحرب, لا وقت لديهم لسماع أحاديثي التافهة. قبل قليل أخلوا المكان و انتقلوا إلى أطراف المدينة ليصدّوا عدوّنا, و ها أنذا بقيتُ وحدي هنا أكتبُ إليكِ و أطمئن. المقبرة في أشدّ شبحيّتها و سكونها المدوّي.. أكتب إليكِ على ضوء القنابل الفسفورية.. أكتبُ إليكِ متكئا على رخام قبر جدّي, يا للصدفة التي أتت بي إلى حيثُ يعيش جدّي موتَه بكامل البطولة و الحكايات القديمة عن حيفا..أسمع صوته يمشي إليّ من بين مسامات الحجارة و يُقدّم إليّ خذلانه من العالم في هذه اللحظات الحربية..لم يعُد يقص عليّ قصص ” أيام البلادْ ” !.
ثمّة كوفيّة تطير من جهة ما و تحطّ على كتفيّ! , وقفتُ بسرعة متأهبا للقتال, إلا أنها كانت حقا كوفية, و قد طارت عن حبل غسيل ربطته امرأة بين غصن شجرة و حافة قبر, لثمتُ الكوفية و عانقتها كأنها أنتِ.. أحبكِ يا سامية, و بقدر هذا الحب المرتجف أنا أشتاقكِ.. و خائف من تيتّم ابنتنا .. الآن بالذات أريد أن أبكي على كتفيكِ, يسيل شلال دموع عليهما, يغسل جسدكِ من عرق اللجوء و رائحة البارود, كي تمسحين بيديكِ دموعي و تربتينَ على حسراتي بعطف..
– تعال فورا إلى منطقة السمُّوني فورا فوراااااااااا
ساميتي.. يجب عليَّ أن أغادر المقبرة, المنطقة التي بنينا بيتنا فيها ها هي تقصف, سأضع خوذتي على رخام قبر جدي و أذهب.. هل سينجو الموت مني هذه المرة؟

أجرة

هنالكَ امرأة تهيل على طفلها بالقبلات ثم تتشابك أصابعها مع أصابع زوجها.. تهرول بعيدا عنهما, تصعد السيارة و لا تنظر إلى الوراء, سحبتُ كتبي و أخليتُ لها المقعد, التصقَ وجهي بالنافذة, كدتُ أرى يد طفلها المرتعشة و هي تلوّح لها مثل فالس الزهور في آخر أيام الخريف.
كانت المسافة بيني و بين السيّدة قصيرة جدا, مسافة حقيبة يد و دموعٍ تكابد الكتمان, لمحتُ في عينيها بريقا غامضا يتموّج و ينطفئ فجأة. أعطيتُ السائق أجرته, في منتصف الطريق أعاد النقود إليَّ و قال ” النقود مزيّفة “, دُهشتُ و قلتُ ” كيف, هذه نقود حقيقيّة “, قال ” مرّ عليها سنة, لقد تغيّرت العملة “. قفزَت إليّ الأفكار سريعا قبل أن أتفوّه معه بكلمة, تساءلت ” هل غبتُ عن زمن المدينة سنة لدرجة أن العملة تغيّرت و أنا لا أعرف ؟ “.. سوف أنتظر دفع أجرته بعد أن تدفع السيّدة. وصلنا معبر رفح و السيّدة لم تدفع الأجرة بعدْ. توّقفت السيّارة, لم أنزل, كنتُ في حيرة من أمري, العملة التي بحوزتي مختلفة عن عملة المدينة.. لا لا ربما عن عملة هذا السائق فقط؟ و من يدري؟! لماذا لم تدفع السيّدة الأجرة؟ ربما هي مثلي محتارة؟. نظرتُ إليها بذهول صاعق, التقت عيوننا مع بعضها, لم نتكلّم, دوّرت كفها في الهواء الموازي لصدرها, فحرّكتُ حاجبيّ إلى الأعلى كتعبير عن تعجّب كبير !! . قالت السيّدة بعد صمت الذهول ” لا يمكننا ترك السائق بدون أجرة “, قلتُ ” و ماذا نفعل.. المعبر أمامنا مفتوح و هذه الساعة الأخيرة من مدّة فتحهِ ! “, قالت ” لنعود من حيثُ أتينا “