أحيانا أحب العالم

(لا أحد يمنع الموت)

● ● ●

اليوم أنا مدانة بالكثير:

بالمهرج الذي يستفزّ بكائي،

بالضحكات العالية الصادرة من عقول متخمّرة،

بسماعي لكلام يؤذي صمتي،

بشاعر بشع وقاص نكد،

بالأغبياء الذين مروا بي،

باللابتوب والهاتف النقال،

بتكنولوجيا الاتصال،

بعلوم الأحياء والفيزياء والكيمياء،

بنساء صغيرات يشتكين همومهن لرجال ليسوا في مدنهنّ..

بأسماء معانيها أقل من حروفها

ببنت تخربش على شجرة عريضة

بأطفال يلعبون تحت شرفتي وينتزعون ذكرياتي

بسطح العمارة والأقمار الصناعية

بأمومة أصابعي

بفشلي في كمش الأوكسجين

بأبواق السيارات ونقيق البائعين

بأصوات الحيوانات (العواء خصوصا)

بأفكار ضيقة

بقصائد وبيوت وأسرار

اليوم أنا مدانة بوجودي في هذا العالم!


اللامؤدب !

المزيد من الليل..
المزيد من الشوارع أيتها المدينة
صوتي غير موجود
الكلاب تتكلم عني
أتسمعين أيتها المنعطفات نباحي؟
وهل تعرفين لماذا عليّ أن ألقي التحية على هذه الحظيرة؟:
أصدقائي طواويس وثعالب.. وأحيانا بشر
يجتمعون في نفس المقهى
يَشبع الهواء من ثرثراتهم الفارغة
غيبة أشد لعنة من نميمة النساء
في لحظات يأكلون لحوم الآخرين
ويتركون لي عظامهم
أكون وحيدا
أعود إلى بيتي
أو لا أعود
بيوتي كثيرة
من بينها الأرصفة
أصنع من خطوات المارة وسادة
ومن البرد غطاء
أركل الكرة الأرضية
أعوي للعالم
وأنام.

قصص ونسيانْ

أمّهات
في الوقت نفسه الذي كنتُ أحلـم فيه بأمي، كان الجندي يحلـم بأمهِ. حين صحوتُ رفعتُ رأسي الذابل عن ضريح أمي، الجندي كان متيقظاً لغفوتي الـمطاردة، كان يراقبني بمكر وينتظر خروجي من الـمقبرة ليستجوب رخامَ القبر، كان الصمتُ مسلحاً في تلك اللحظة… وددتُ لو أسأل الجندي: في أية مستعمرة تحيا أمكَ؟.

بندقية
اعتقدتُ أن الجندي يُقبّلني؛ لكنها كانت فوهة البندقيّة تستقر على صدري.

ثقب
النافذة التي ضاعت في بيتنا القديم، وجدتها اليوم في ثقب مفتاح خزانتي، كانت عمياء وتحتاج إلى غرفة لا أعرفها.

عروس حيفا
لـمّا أكبر بدّي أحب شبْ يكون اسمه غسّان، نتجوز ونرجع مع بعض ع حيفا.

قصص
الرجل الـمجنون الجريء الذي يتسلل من درج البيت إلى غرفتي، يسبب لي الـمشاكل، لا، ليس مع أهلي، بل مع ضجيجي وهوسي بقصص شفتيه…

تذْكِرة نسيان
قبل أن أطأ بوابة الجامعة، تذكّرتُ أنني لـم أنتعل حذائي، نظرتُ إلى قدميّ بشفقة، كانتا متسختين وقذرتين. أساتذتي يدخلون الجامعة و لا ينظرون إليّ، الطالبات يلتفتن نحوي بغرور أبله، لـم أخجل من عريي وشعرت بفخر غريب لـمجرد أنني قررت دخول الجامعة حافية القدمين… عندما عدتُ إلى البيت وجدتني أخلع من قدميّ حذائي، كأنني سمعتُ أخي الصغير يصرخ “إنها تقطع قدميها”!.

انتحار شخصي جدًا

( لأنني متورطة بخطايا الآخرين )

● ● ●

(1)

أريد أن أحب رجلا يُطارد الشوارع

ينام على الأرصفة

ويسرق من الباعة رزقه..

(2)

لا أريد أن أبكي على كتفكَ

و أترك العالم خلفي؛

أريدكَ أنتَ و بكامل تشردكَ

لنتقيأ العالم معا

و نرحل تجاه خطيئتنا

(3)

أبحث عمّن يشاركني قضم ثمرة زرقاء

نقترف إثم الغواية

ونمضي في عتمتنا

(4)

زيِّنْ الخيانة بضفادع الفضيلة

ليتقافز نقيق العالم بين الحفر

هل جنيت حبها؟

أرى الورد ارتوى من الندى

و كلما جفّ الصباح تنادي باسمها

فتمطر الأشجار حروفا و تتندى الشرفات

(5)

ستحبها

و ستمشي في الطرقات الرملية

لتعفر وجه العدم

و تصرخ “أنا موجود”

(6)

لا أحتج على منظركَ الملبد بالغبار

تتسوّل من عينيّ نظرات ؟!

فلتحرثها بأحزانك

قلبي مأوى للاجئين

(7)

رأسي مسكون بالحزن

لا أحد يشبه بكائي

و لا حكمة تمسح دمعي

وحدها الوسادة تجفف وحدتي

(8)

سنتخلى عن أي شيء

حتى عن الذكريات

و إن كانت طوابق العمارة

غير كافية للانتحار

سقوطنا سيكون طويلا

كما لو كنا آخر ناطحة سحاب

(9)

سأكون آخر اسم للموت

و آخر تجربة حب لكَ


من أجمل ما قرأت عن " الابنة",,

ابراهيم جابر ابراهيم *
● ● ●
«بَسْ إنت»!
للطفلة سحرٌ آخر… ضحكتها، بكاؤها، حردها، دلعها، نومها على ركبة الأب، دفاترها الملونة، نقش أساورها، وحنان قلبها الذي حين أحتضنها…. يا إلهي كم يشبه رفيف فراشات ملونة على قميصي!

يكون البيت موحشاً من دون ضحكات البنات، وتخفت رائحة الياسمين المتعربش على الحيطان، ويصير الشاي مُرّاً، وتبرد ألوان الستائر، وكم أشعر بالوحدة حين لا أسمع موسيقى خطواتهن الصاعدة الدرج!

ترتبك أيامي إن ما بدأت بصباحاتهن المتثائبة، وإن ما نفضن شعرهن المبلل في وجهي، وعبأن جيوبي بالأمل. تبقى قبلاتهن على وجهي عطراً خفيفاً، وعناقاتي لهن أظلّ أحملها كالتميمة، تحفظني من وحشة المدن البعيدة، وأصابعهن تربت على كتفي أنىّ ابتعدت. للبنات في البيت رائحة الأمومة، طعم الرضى، دلع الصديقات المدللات، وطيش النساء اللواتي يثقن بكيدهن.

فساتينهن الملونة، أحذيتهن، خواتمهن، مشابك شعرهن، عطورهن، ألعابهن ودببتهن،… وكأس الشاي الذي من يد طفلتي «يعادل كل خصور النساء وكل العواصم»!

ضحكات الصغرى تتساقط على سريري كالخرز الملون، والوسطى تعدّ بأصابعها شعراتي البيضاء، والكبرى تحاول استدراجي: تعال نغسل مزاجك الملول برحلة للبحر؟.. وأنا بينهن كملك!

***

بناتي كبرن.. صرن صبايا صغيرات، وأشعر بمتعة خرافية وأنا أحادثهن على الهاتف!

كأن ضحكاتهن الصغيرة تخمش قلبي.

لكنها متعة دامعة، حين أسأل واحدة من سيداتي الأميرات الثلاث: اطلبي مني أي شيء، ماذا ينقصك؟ فتقول بحسرة: «بس إنت»!!

ثلاثُ بنات كالأغنيات، كالأساور، كثلاثة أسماء للبهجة، يشبهن ورداً ينهض من نومه، أو ثلاث عرائس يرقصن على غيم خفيف، فيتركن ما يترك الندى على ورق شجرة الدراق. أو ربما أنهن موسيقى خفيفة لا تشبه أكثر من خفق القلب.

للطفلة في البيت وقعُ الطائر، خفة النحلات، مرحُ التلميذات على درج المدرسة، لضحكاتها ما يجعل حتى طعم النهار أحلى!

ولما تمدّ يدك تدفعها على «الأرجوحة»، فتصيح بك أن تدفعها أكثر.. لترتفع في الهواء أكثر، يطير قلبك خلفها ويعود معها، ويعود يطير معها، «كأن هذه البنت روحي»… تقول لنفسك!

وتجيء الصغرى تمد وجهها تقبّلك وتركض، وتلوّح بشعرها قبل أن تنعف في حِجرك ضحكاتها الحنونة، وتقطف من شجرة قريبة بعض فتات الياسمين، تفركه بوجهك، وترميه في عبّ قميصك، تعود تقول «يا الله.. هذه البنت أجمل ما صنعتُ في عمري»!! وإذ ترتبك الكبرى الصموتة، تودّ لو تمازحك وتتهيب، وتتوق أن تتركض معك وتلاعبك وتحضنك، لكنها خجلى، وقليلة الكلام، تقول في نفسك «يا اسمي، ويا قهوتي، ويا خيوط قميصي، ويا تفاصيل دمي تعالي أقبّلك كثيراً. لم يبق لي في هذه الأرض الكثير»!

……

أيتها الصبايا الصاعدات إلى أعمارهن على الدرج المقابل لنزولي، تمهلن قليلاً؛ أريد أن أراكن أكثر!!

* ابراهيم جابر ابراهيم:

قاص فلسطيني مقيم في الامارات

شيخوخة الليل

المرأة التي تموتُ أكثر مما تكتب
المرأة التي أحبها ذئبٌ و كتبَ فيها/إليها آخر الأشعار
المرأة التي يُوجع الرجال ذاكرتها و يمضون
المرأة التي تُحب سيّد الخواتم
المرأة المُحتَلّة التي يفرغ الجنود رصاص بنادقهم في كأسها
المرأة التي تمل من الأمسيات
المرأة التي تُسافر إلى الأرض كل ليل
المرأة التي تكبُر مثل أسطورة
المرأة التي انتبذت من عينيكَ محرابا لغموضها
المرأة التي تشتهي أكل البحر
المرأة التي تتهجى حبات المطر
المرأة التي كل شيء
المرأة التي تموء و تُرضع الأرصفة حليب الحنين
المرأة التي لا تعرف “الطبخ” و “الجلي”
المرأة التي يُحرك الحزن يديها لترقص
المرأة المحاصرة بلهب الانتظار
المرأة التي تلعق الموسيقى بضفائر شعرها
المرأة التي تُسدل وجهها على نوافذ البيوت
المرأة التي تتحول إلى فراشات
المرأة التي تتبدّل من زهور إلى فاكهة
المرأة التي تشبه تجارب الكيمياء
المرأة التي تختصر التاريخ في ضحكتها
المرأة التي تعدّ النجوم كي لا تنام
المرأة التي يتقمّصُ شخصيتَها الليلُ
المرأة التي كتبتْ كل ما سبق
هِيَ ليست أنا !

عن قُدس وصلتني هديّة من القدس !

و أخيرا اجتمعت فلسطين في علبة زجاجية صغيرة, في الأصل مصنوعة لتعبئة صلصة الفلفل الأحمر, تمسح أصابعي على العلبة كأنها مصباح علاء الدين, تفتح الغطاء, يخرج من العلبة تاريخ طويل من القتال و الدفاع عن الأرض, تفوح رائحة قديمة جدا, كأنها رائحة تراب القدس؟!, هل قلتُ القدس؟..آه أنتشي و أصاب بدوخة لذيذة تطيح بحضارات الشوق الموجعة, أذوب أمام العلبة مثل سُكّرة في فنجان قهوة. يرتخي الوقت على سريري, أتكئ على الوسادة, العلبة بين يديّ, قبل أن أنام أكمش حفنة رمل من العلبة كالياسمين, أرش الغرفة بها, أتنفس الصعداء, بفخر أنسلّ إلى أحلامي, فالقدس في هذه اللحظات بين يديّ, أينما ولّيتُ وجهي أجد القدس أمامي, أمشي في شوارع غزة, القدس تمشي معي, تأكل معي, تتنزه معي, نذهب إلى البحر معا, و نضحك بصوت عالٍ حين نتذكر أننا في غزة..
شكرا للقاص المقدسي جمال القواسمي الذي أرسل إليّ حفنة تراب من تراب القدس, و التي وصلتني عن طريق الشاعر باسم النبريصي الذي رافق أخيه المريض من غزة إلى القدس للعلاج!, حملتُ العلبة و شعرتُ بأنني حتما سأظل ضائعة في متاهة أبواب عتيقة, و كان ذلك, حدث اختلال في توازني الجغرافي, صارت كل بقعة في غزة تمثّل إليّ معلما من معالم القدس, عمارة جارنا تحوّلت إلى جبل الطور, وادي غزة تدفقت فيه مياه سلوان, متأكدة من أنني رأيت النبي داود يفتح باب بيتنا و يدخل فيه !.. لقد زرعتُ رملة مقدسية في اصيص شرفتي فانبثقت نبتة خرشوف القدس, ولجت فيّ فكرة بأن أخلق قدسا في غزة, غرستُ في كل مكان حبة رمل مقدسية, شارع عمر المختار, شارع الجلاء, شارع النصر, شارع المجدل, و باقي شوارع المدينة و أزقة المخيمات صارت تضج بالقدس, لقحتُ أرض غزة برمل القدس فأنجبت ترابا مقدسيا, و شكّلتُ رجالا و نساءً و أطفالا و شيوخا مقدسيين..
بعدَ ستة أيام من تقديس الأمكنة, استراح القلب الظمآن على عرش محفوف بعناية الرحمن. (أنا لم أهجّن غزة) , فقط فعلتُ بها ما تفعله يد بوردة.. صدقوني إنني اقتطفتُ غزة من عنقها و غرستها في علبة الرمل المقدسي التي جاءتني كأجمل هدية .