كأنه العدم

تأخرتُ في نومي.. لماذا تأخرت؟. لم يكن الحلم جميلا, لا شيء فيه يدعو لأن أستيقظ في وقت متأخر من الصباح, ليس ممتعا حتى إنني نسيته و لا أذكر ماذا كان هو؟. هل رأيت رجلا رائعا أعرفه؟. أحاسيسي تغادرني, لا بأس فأنا منذ الليلة الماضية أتنبأ بضجري, لذلك نمت أكثر من مرتين في هذا النهار التعيس, و في كل مرة كنت أنهض من نومي بملل, تضيع عيناي في فراغ خشن, أشعر بالحر فيرشح العرق من جسدي. يلهث تحتي إسفنج سخيف و سرير أبله.. هل حقا حلمتُ هذه المرة؟. أحس بدوار خبيث يُحوّم في رأسي.. أسترخي و أدسّ رأسي بين الوسائد, بطني يضغط على الإسفنج.. هواء ملس لكنه ماكرا يهب بغتة من النافذة.. له رائحة صدأ جائع, أقشعر و أودّ لو أتقيأ كل روائح العالم..
النومة الخامسة كانت بعد الغروب بساعة, فتح الجمود عيني, لا أفهم لماذا لم تسأل أمي عني؟؛ ربما ما يزال الحزن يمنعها من أن تخترق وحدتي و صمتي, هي حزينة من غموضي و حزينة على مستقبلي سيء التوقعات. سنة كاملة من العزلة في غرفة أشبه بكهف معتم يخاف الجميع دخوله.. بغباء شديد رجوتُ أختي أن تترك الغرفة لي و تجد لها مكانا في غرف البيت الأخرى..
تدلت ساقاي من حافة السرير, كان الإرهاق يستولي عليّ. صوت المروحة مزعج جدا, يهدر في أذني مثل طائرة تحلق فوق البحر.. الأصوات خائنة. لامست أصابع قدمي الأرض, وجدتني أمشي ببطء و أحس بفأر عجوز يسعل في صدري. المسافة بيني و بين الباب تمتد, كلما اقتربت منه فإنه يبتعد أكثر.. أردتُ أن أعود إلى سريري لكنه أيضا يبتعد عني, كأن صحراء شاسعة تحاصرني, الأشياء تتخلى عني و تبتعد..
سقطتُ على الأرض و قررتُ أن أنام مكاني..
لا أدري الآن: هل أنا أكتب قصة ليست حقيقيّة؟ أم أنني نائمة و أحلم؟!.

رعشات مُطاردة

الصمت يصفر في فراغ الشقة, الرياح الخفيفة تقتحم الغرف و الصالون و المطبخ بهدوء لص خبير يتسلل من الشبابيك الخلفية, أمشي في الممر المؤدي إلى الحمام, صورة جدي المعلقة على الجدار تمشي معي فيخيل إلي أن أجيالا قديمة تراقبني و تلاحقني, عند المنعطف الدقيق بين الممر و عتبة الحمام كانت لوحة مزدحمة بالنساء تنظر إليّ بملل مجهول. دخلتُ الحمام و أغلقت الباب عليّ –مع أنه لا أحد موجود في الشقة غيري- , فتحت الصنبور و بدأت المياه تتدفق من فمه و تُغرق البانيو بشراهة لا أفهمها..
شرعتُ أتعرى قطعة قطعة, جسدي ما يزال ثابتا ببلاهة, فقط أصابعي كانت ترتجف كلما لامست لحمي بالخطأ..
ثمة انتحار مخنوق ينتظرني!
فتحت الدش, انهمرت المياه منه كأنه غيمة ترشقني بالمطر, ناعم و مجنون يمشط الماء شعري.. يسيل على كتفي مثل شلال أمازوني مخيف..
الآن أنا أغتسل من حياتكم, أزيل عن جسدي آثار قبلات و لهاث أحمق, الصابون يداعبني, تتشكل فقاعات هواء و تتطاير في فضاء الحمام, تحط على أنفي.. أتنفسها..تنفجر ضحكا و تختفي.. أصبحتُ ألمع مثل سطح بحيرة فيروزية..
مثل سمكة دولفين أغطس في البانيو, الضوء الساقط من السقف يسبح معي.. مياه ضوئية شفافة خالية الذهن, لا تفكر بنميمة أو غيبة عن رجال و نساء و جنود و مدينة و اجتياح..
عارية من أسمال العالم المسالم و المتمرد, من عقد السياسة و انهيار الاقتصاد, من الكرة الأرضية و دوران سكانها حول شمس مؤقتة.. أنزلق إلى تحت.. نبضاتي القوية تصنع موجا متوحشا.. وحدها موجتكَ أليفة و لا تستطيع افتراس شيء مني, اتفقنا على الشاطئ ماذا سيكون مصيرها, خطفتُ الموجة من البحر.. البحر القريب من ميناء غزة, أخذتها معي في زجاجة إلى غرفتي, و صرتُ أطعم الموجة و أعتني بها حتى إذا كبرت و فتحت المعابر تأتي إلى غزة و يحين دوركَ في حضانة الموجة, أنتَ الأب و الأم لها, أنتَ الأخ و الأخت و ابن الأخت..أنتَ للموجة أنتَ, فأين تركتها من بعد ذلك الاتفاق؟.. يومان أو أكثر من الاحتلام و الكذب الشاعري, الوهم مثل خيوط العنكبوت الواهية, و أنا.. أنا الآن أنزلق تحت الماء, أجدف بين سفن البرتقال و المشمش, أحبكَ أو أكرهكَ, لا يهم, سيان؛ لأنك منشغل و لأنني لا أعرفكَ..
مازلتُ تحت.. البساتين تغرق, ترتوي الأعشاب و تهذي ألف مرة.. ما هي النشوة؟ الماء سر الليل و النشوة رقص يجيد الاستمرار في كل شيء.. أبحر في غموض المرأة, المرأة التي تنهض من سريرها بضجر و تزيح الستائر عن نوافذ كهفها النعس.. تجفف شمسها الداخلية بكسل لذيذ..
الحمام يطفح بالمياه حتى سقفه, النافذة الصغيرة و الوحيدة تكاد تتحطم من اندفاع المياه في كل اتجاه.. ملابسي تسبح و قطعة الصابون تذوب و تتلاشى.. شعري يتحرك مثل سكران يحاول أن يسير إلى بيته في منتصف الليل.. الرعشات المطاردة, الهذيان و الدهشة و ذهولي من جسد أسمر يعيد إلى ذاته الحروب و يكوّن أرضا لدنة مضمخة برائحة الوطن و النعناع.. حقا انني لا أستوعب انتحار هذا الجسد !!

يد الغياب

من صورتكَ الناعسة بين أدراج المكتب
تبخر ملاك صغير
تائه و يبحث عن يد,
كنتُ وقتها نائمة على يد الغياب..