خط أزرق بعيد

كنت أظن أن صعود السفينة الضخمة المكتوب عليها بخط أحمر عريض “Viking” سوف يضاعف خوفي من الماء العميق. تشكل خوفي الأول من الماء مذ كنت في الصف الثالث، كان يأخذنا أبي إلى البحر في عطلة الصيف، كنا نخرج في وقت مبكر جدا، لدرجة أنني كنت أشعر بأننا ذاهبون لاصطياد غنيمة ما.
هناك، حين نصل البحر، كان القمر واضحا بالرغم من الضباب الغامض الذي يلفه في إشارة لانتهاء الليل. كان يتركنا أبي على الشاطئ نصف ساعة، بحيث يختفي كليا وراء خط أزرق من الماء، في البداية كنت ألاحق رأسه المبتل وهو يتحرك قدما مع جسده بين الأمواج، ولكن فيما بعد أصابني الذعر من فكرة أن البحر دائما يأكل ذلك الرأس المبتل ثم يلفظ شخصا آخر تسيل من ذراعيه أسماك صغيرة تتقافز وترتمي عند قدمي.
حين يعود أبي من وراء ذلك الخط البعيد، نركض إليه نحن أبناءه المتلهفين لشيء لا نعرفه، يلتقط كل واحد منا اصبعا من أصابع يديه الخشنة والطويلة، وبدوره يمشي بنا متجها إلى البحر ونحن نتبعه متشبثين بأصابعه. أنظر إلى اخوتي فألاحظ لمعة الفرح في حدقاتهم وأجسادهم يأكلها البحر، بينما أنا أتشبث أكثر فأكثر في اصبع أبي..
طوال السنين التالية، أكتشف أن البحر مجرد اقتراح مؤقت للتخلص من الخوف.
صرت ناضجة ولم تعد أصابع أبي تحتمل أيدينا التي درست الهندسة والطب والشعر، فأصبحنا نذهب إلى البحر بأنفسنا ودون ذلك التوقيت المبكر الذي لم أحبه يوما. لأول مرة يقنعني اخوتي في الذهاب إلى البحر، تلك المرة لم تكن لنطعم أجسادنا للبحر ونعود مثل أسماك مالحة تحتاج إلى التجفيف، كانت المرة الأولى التي دفعوني بها إلى سفينة صغيرة لأحد الصيادين، شاب يرتدي شورت بنيا، قرر أن لا يصيد ذلك الشهر ويستخدم سفينته كوسيلة ترفيهية لروّاد البحر في العطلة الصيفية.. حسمت الأمر سريعا على الشاطئ وصعدت السفينة، كانت صغيرة جدا، وكان يبدو أنها جيدة للصيد ولا تصلح لغير ذلك، جلست على المقعد الطويل بين أختي وأخي، الصياد، أقصد قبطان السفينة، شغل المقود وبدأت تبحر فينا.
كنت أنظر إلى الشاطئ بقلق شديد، لا سيما وأن كل شيء حولي بات أزرق، ولم أعد أر غير الموج وبعض الكرات الصفراء الطافية من شباك صيد كبيرة نصبها الصيادون وتركوها.. كانت السفينة ضعيفة مقارنة بقوة الموج، تهتز على الجانبين، وأحيانا يدخل الماء من المقدمة بشكل فوضوي كريه ومخيف.. إلى أن حصل ما كنت أخافه، مالت السفينة على الجانب المقابل لي، بحيث أصبحتُ مرتفعة عن الماء ولكن لم يدم ذلك دقائق من الذعر حتى فقدتُ قواي وأفلتت قبضتي السفينة، فانزلقتُ وانقلبت السفينة.. أكلني البحر.
لم أعرف كيف استطاع الصياد أن يستعيد وضع السفينة الطبيعي، وجدت نفسي في مقعدي وحولي اخوتي يضحكون على ثرثرات سخيفة، هل كنت أحلم؟. حين وصلنا الشاطئ، سمعت الصياد يهمس لأخي “كانت أختك ستغرقنا من الخوف”.
أما الآن، فأتذكر كل شيء وأبتسم بارتباك، وأحيانا أضحك فتلتفت إليّ العجوز الفرنسية وتقابلني بضحكة غريبة وتعود تتأمل البحر من النافذة.. حسنا، ضحكت لأنني كنت حزينة، كنت أتمنى أن يكون أبي معي في تلك اللحظة التي صعدت فيها سفينة الفايكنغ، كان جميع الركاب فرنسيين، كانت أصابعهم ناعمة ولم يكونوا بحاجة إلى الاختفاء مبكرا وراء خط أزرق ليعودوا بالسمك، ويبيعوه.

شاعرة بائسة وصانعة معجنات سعيدة

إنها المرة الخامسة التي أطبخ فيها, حسنا, لأكن صريحة و صادقة, كنت أجرب الطبخ, تحديدا طبخ الأرز.. تعلمت السنة الماضية أن أصنع الكروسان و السينابون و المعجنات بأنواعها, مع ذلك فقد فشلت في صنع فطيرة التفاح, كانت سنة مليئة بالتجارب الشهية, و حصل أن سافرت إلى السويد, ففكرت بأنه سوف يكون من الرائع أن أطبخ لأصدقائي بعضا مما تعلّمته. هناك, في بيت توفا, نسيت كل ما تعلّمته, لم أصنع لها شيئا, ذهبتُ معها لنتسوق البروكلي و عجينة فرنسية لا أذكر اسمها.. في المساء بدأت أشاهد توفا و هي تطبخ بطريقة المرأة الوحيدة و الذكية التي تعيش متعتها في مدينة علمية مثل لوند, حملت صحني و جلست قرب المكتبة الصغيرة الممتدة بجانب الباب, فيما توفا تنظر إلى متحمسة لرأيي في الطبق الفرنسي, هززت رأسي ببلاهة  و قلت “لذيذ..”, كنت أحمل تجاهها غيرة امرأة صغيرة من جارتها الخبيرة ستستمر لأيام!.

صاعدت جهودي في الطبخ و شرعت في قراءة الكتاب الأمريكي “متعة الطبخ”, و انتقلت لقراءة الكتاب الايطالي “الملعقة الفضية”, ثم تطور الشغف بي و شاهدت فيلم جولي و جوليا الذي يصور حياة امرأتان تثبتان قوتهما و هويتهما من خلال الطبخ, كنت قبل ذلك قد قرأت رواية لورا اسكابيل “كما الماء للشوكولاته”, حتى انغمست في المأكولات أكثر فأكثر, و تحولت من كاتبة إلى طباخة, نسيت القصص و الشعر. رحت أتبع الروائح المدوخة التي تنتشر بشكل جنوني في شوارع ستوكهولم, جربّت معظم المأكولات, و كنت لأضيع لولا صديقي السويدي, و هو طباخ ذو خبرة واسعة, كان يرافقني إلى المطاعم و يوضح لي مكونات هذا الطبق و ذاك. مرة أخفى لي صديقي مفاجأة و أخذني إلى مطعم في المدينة القديمة, جلست إلى الطاولة و لكن للأسف الروائح أفسدت مفاجأة الصديق السويدي, كانت رائحة المسخن و زيت الزيتون تقولان بصوت عال “نحن مأكولات فلسطينية”, لم أشأ أن أخذل صديقي و أبديت سعادتي و دهشتي في الأطباق الفلسطينية التي احتلت طاولتنا!. حتى الطعام يعرّف البلدان و يمنحنا هوية و شخصية خاصة, و يضفي إلى الأماكن و الأشياء رموزا ذات دلالات. فمثلا, بالنسبة إليّ, منذ أن قرأت قصيدة “إلى أمي” لمحمود درويش, أصبحت القهوة رمزا إلى الحنين إلى الأم و الوطن, أما الجبن و النبيذ فيقولان على لسان فتاة بمريول أنيق “أنا فرنسية”, بينما تأخذنا البطاطا المسلوقة إلى المطبخ السويدي الذي لا يخلو منها و السوشي إلى اليابان.

الآن أطبخ الأرز و أحاول أن أتذكر عبارة جميلة للكاتبة الأمريكية لورين كولوين, تقول في كتابها “كاتبة في المطبخ”, “وحيدة في المطبخ, لا شيء سوى حبة باذنجان”. و أنا أيضا وحيدة في المطبخ, و لكن يوجد كل شيء, إلا أنني لم أنجح في صنع طبق الأرز.. المقادير دقيقة, يجب أن أترك هذه المهمة لأمي, فالأمهات دائما مرجع بناتهن في الطبخ الجيد. سوف أعود إلى غرفتي و أكتب قصة بدلا من ذلك.

لا بأس في أن أكون كاتبة و صانعة معجنات في نفس الوقت.  أتخيل كيف كانت اميلي ديكنسون شاعرة و خبازة أيضا, تتفنن في صنع الخبز لعائلتها منذ أن أوكلوها مهمة تدبير المنزل, زد على ذلك أنها فازت بجائزة أمهرست للرعاة عام 1856.. يا إلهي, كيف لصاحبة الشِّعر البائس أن تنتج خبزا بكل تلك السعادة!.

Draft of Memory

I would love to know what happened to our small house which we left in Nazareth years ago… What do the hills look like now? And perhaps the scent of thyme has changed… How old my friends have grown, and I have become just a story for their children… Goodness me, I didn’t even attend their weddings। I wanted to live through the stages of my life with them, and most of all I was waiting for the day on which we would learn about love and forget about games, when we’d fall in love until we became depressed। Oh dear, but the worry of love is not like the worry of [the Israeli] occupation. Now I remember… I always remember.

أحذية على سطح البحيرة

جزيرة لانغهولمن, السويد. كوثر أبو هاني
جزيرة لانغهولم, السويد. تصوير كوثر أبو هاني

عشت لفترة في شقة صغيرة تطل على بحيرة زرقاء ينعكس على سطحها لون الأشجار و لون أحذية المارة على الجسر المعلق فوقها, لم أكن أعرف وقتها أنني أعيش على جزيرة رائعة اسمها لانغهولم, اكتشفت ذلك في احدى الحفلات الباذخة في قصر قديم يمتلكه رجل من احدى العائلات النبيلة.. لم يعجبني أن أكون في مكان له تاريخ فايكنج ثري, قلت لصديقي أنني سأعود إلى البيت, ضحك و قال بأنني سوف أضيع لأن الوقت متأخر بعد منتصف الليل و دائما لا أعرف طريق العودة إلى البيت, كرهت ذلك كثيرا, و فكرت متى سيأتي الوقت الذي أعرف فيه ما اذا كان الخط الأحمر أم الأخضر هو الذي يؤدي إلى محطة القطار المعتادة؟. فيما بعد صرت أحمل خريطة في يدي و أتبعها!. شعرت بأنني طفل ذكي.. مع ذلك لم ألاحظ الخطوط العريضة التي تحمل اللون الأزرق و المنتشرة في الخريطة حول المكان الذي أعيش فيه, دققت النظر و رحت أبحث عن سر الخطوط الزرقاء, فمن المستحيل أن تكون خطوط القطارات منتشرة بهذا الازدحام حولي في مكان لا يحتمل كل تلك السكك.. اكتشفت أنني أعيش على جزيرة, و قررت أن أتغاضى عن كل الدهشة التي فاتتني خلال جهلي بذلك. بعد أيام من اكتشافي المتأخر راودني حلم بأن أصبح مصممة أحذية.. ما يزال انعكاس لون الأحذية و شكلها المتموج و هو يقع و يسير ببطء على سطح البحيرة يلمع في مخيلتي مثل ابتسامة لطيفة.. افترضت أنني أعمل في احدى شركات جيمي تشو, لا شك بأن شكل الحياة سوف يتغير بوجود مصممة أحذية ترسم خططها أمام البحيرة و تنتظر المارة أن يعبروا الجسر كي تلتقط شكل أحذيتهم و ألوانها حين تقع و تغرق في عمق الماء.. و بالطبع تأملت حلمي, و تحدثت عنه مع جارتي الاسبانية, لم تعره اهتماما, و اقترحت علي أن نتناول العشاء في جزيرة تبعد عنا ثلاث ساعات.. فكرت, يبعد عنا بثلاث ساعات بحيرة أخرى غريبة!!

الطريق إلى بلاد الفايكنج!!

كانت الساعة الثانية منتصف الليل, أجر حقيبتي خلفي و أنا أتمشى من زاوية لزاوية في قاعة الانتظار في مطار القاهرة, تعرفّت على امرأة مصرية تعيش في نيويورك و جلسنا لساعة نثرثر كأي غريبين عابرين التقيا في مكان غريب, بعد وقت قصير اكتشفت كلتانا أننا سنغادر على متن نفس الطائرة إلى أمستردام, ودّعنا بعضنا و ذهبتُ في اتجاهي إلى زاوية أخرى.. كنت مرهقة جدا, فقد وصلت المطار بعد ثمانية ساعات من سفر طويل من معبر رفح وصولا إلى القاهرة..

صعدت الطائرة و أفكار كثيرة تراودني, كنت ما أزال أشعر بالتعب الشديد, و كانت عيناي متورمتان من النعاس, لم أنم ليلة بأكملها, بحثت عن رقم مقعدي و استلقيت فيه بجانب النافذة, بعدها جاء رجل أربعيني بدين جلس في المقعد المجاور و شاب آخر جلس في المقعد الثالث الأخير..

القاهرة ليلا من نافذة الطائرة
القاهرة ليلا من نافذة الطائرة

بدأت أسمع هدير محركات الطائرة, صار قلبي يدق بسرعة, طارت الطائرة, الرجل الأربعيني لم يكف عن تصويب نظراته نحو الكتاب الذي وضعته على ركبتي, فيما كنت أراقب القاهرة  و هي تتقلص كلما ابتعدت الطائرة عن الأرض, كانت المدينة تتحول إلى لطخات مضيئة تبدو مثل نجوم صغيرة بعيدة, و لكن حين ابتعدت الطائرة أكثر فأكثر شعرت بالرهبة و لم أعد أجرؤ على النظر إلى الأسفل.. حين استقامت الطائرة و لم يعد شيء يتراءى من النافذة غير العتمة و ضباب القمر, رميت رأسي على ظهر الكرسي و أغلقت عيناي لأنام, لكنني لم أستطع, إنني من ذلك النوع من المسافرين الذين لا مقدرة لهم على النوم في الطائرات.. كانت الساعة الرابعة فجرا, يا الهي كم أصبت بالإحباط, أمامي أربع ساعات كي أصل أمستردام, و أنا أكره المكوث في مقعدي لوقت طويل بدون أن أتحرك.. أطفأت المضيفة الشقراء أنوار الطائرة و شغلت موسيقى هادئة ثم اقترحت على الرّكاب النوم!. لكنني أبدا لم أستطع النوم!, كان رأس الرجل الأربعيني يميل على كتفي فأتضايق منه و أزيح كتفي عنه, لكنه لا يستيقظ لدرجة أن شخيره بدأ يتصاعد, أزعجني ذلك لوقت حتى أرغمت نفسي على التعود على نومه و صنعت لنفسي وضعيه لأنام, ربما أنجح؟ وضعت الوسادة على النافذة و ثنيت ساقاي على المقعد كالقرفصاء و لففت جسدي بالغطاء الأزرق الرقيق, مع ذلك فشلت في النوم.. بعد نصف ساعة انتشرت المضيفات يوزّعن وجبة طعام علينا, حين جاء دورنا استيقظ الرجل و طلب أومليت بينما طلبتُ بان كيك, إضافة إلى العصير و سلطة الفواكه و البسكويت و اللبن و أشياء أخرى.. التهم الرجل وجبته بسرعة بينما أنا لم آكل غير قطعة بسكويت, لاحظ الرجل أنني لم آكل وجبتي, قال مستغربا “ايه ده؟ متاكلي يا بتّ”. ابتسمت و قلت “أكلت قبل منطلع الطيارة”, و في الحقيقة لم آكل شيئا منذ وصولي الاسماعيلة بالسيارة. كل ما كنت أريده هو النزول من الطائرة و الوصول, لأنني حقا أكره البقاء في السيارة أو القطار أو الطائرة مدة أكثر من نصف ساعة!.

عاد الرجل إلى النوم سريعا و بقيت أنا أنتظر.. مرة أخبرني صديق أنه خلال احدى رحلاته من اسبانيا الى البرازيل, و قد كان معظم المسافرين على الطائرة من أصل برازيلي, قبل أن يناموا غيروا ملابسهم و ارتدوا بيجامات, ناموا مدة خمس ساعات متواصلة و حين استيقظوا ذهبوا بالدور إلى الحمام ليفرشوا أسنانهم!. تخيّلت لو أنني أفعل ذلك لن أغير في الأمر شيئا..  شغّلت التلفاز ربما أجد فيلما جيدا يلهيني, و لكن للأسف لم أجد شيئا يلائم ذوقي, لا أعرف من اقترح وضع فيلم عمر و سلمى و أغاني نانسي عجرم في أجهزة التلفاز الخاصة بالطائرة؟ حقا إنها سخافة, مثلا سوف يكون من الأفضل لو وضعوا أغاني لأم كلثوم أو عبد الحليم, فالطائرة أجنبية و معظم الركاب أوروبيين, سوف يتعرفون و يستمعون إلى أغاني مصرية راقية و ليست هابطة كنوع من نقل صورة جميلة عن الفن المصري!!.

بدأت أشعة الشمس تضيء نوافذ الطائرة, إنه الصباح و لم نصل بعد, اتضحت الغيوم في ظل ذلك الضوء القوي, و لكنها بدت مثل سجادة قطنية بيضاء و ناعمة. استيقظ الرجل إلى جانبي, ابتسمت له, و فكّرت أن أهدر الوقت المتبقي في الحديث معه, سألته عن محطته التالية بعد أمستردام, فقال أنها المحطة الأخيرة لحضور مؤتمر طبي, و تابع بفخر “أنا دكتور عظام في جامعة القاهرة”, لم أبدِ له إعجابي في ذلك, فحاول أن يخفي غيظه و سألني عن سبب سفري, قلت له “زيارة”, رفع حاجبه الأيمن باستغراب و قال”بس؟”. بعدها غمرنا الصمت, كان الشاب قد ذهب إلى الحمام, بعد أن عاد ذهب الرجل الأربعيني أيضا, خطر في بالي أن أذهب أنا الأخرى إلى الحمام مع أنني لم أكن بحاجة إلى ذلك, و لكن على الأقل سأتحرك و أمشي قليلا في المسافة بين الحمام و مقعدي!. كان ثمة طابور مكون من خمسة أشخاص ينظرون الدور لدخول الحمام!.. كانت فتاة تقف آخر الطابور, حين رأتني أمشي مقتربة من المكان جاءت إلي, ضحكت و قالت ” فش إلا حمامين في الطيارة”.. تركت الفتاة (اسمها ريم) دورها و قالت أنها تود أن تتمشى معي بين ممرات المقاعد, رحبت بالفكرة و رحنا نتمشى طيلة الوقت المتبقي, كانت مفاجأة غير متوقعة أن ريم فلسطينية من غزة, شعرت كلتانا بالألفة و الراحة بمجرد أننا قدمنا من نفس المدينة و الوطن! و الأكثر من ذلك كلتانا مسافرتان إلى العاصمة السويدية ستوكهولم!. أخذتني ريم إلى مقعدها و قالت لي “احفظي مكاني, لما تزهقي تعالي”, و اتفقنا أن نلتقي في قاعة الهبوط حين نغادر الطائرة حتى ترشدني إلى اتجاه قاعة قلوع طائرتي إلى ستوكهولم, لا سيما و أن ريم كانت قد هولت الأمر بأن مطار سخيبول واسع جدا و ساعتين لا تكفيان كي انهي ختم جواز السفر و التوجه إلى قاعة الانتظار, فهي هبطت ترانزيت في مطار سخيبول في زيارتها السابقة للسويد و واجهت مشكلة ضيق الوقت!.

إلى اللقاء أمستردام!
إلى اللقاء أمستردام!

و بالفعل حين هبطت الطائرة الساعة الثامنة صباحا, وجدت ريم تنتظرني و ساعدتني في جر حقيبتي, قلت لها أن ساعتين تكفيان لكل الإجراءات!, فذهبنا و تناولنا القهوة, كنت أشعر بالطمأنينة كوني مع بنت بلدي!.

وصلنا نقطة ختم جوازات السفر, هناك ختمت الموظفة جواز سفر ريم و سمحت لها بالدخول, بينما أنا حوّلت جواز السفر خاصتي إلى قسم المخابرات.. وجدت نفسي محاطة بأسئلة ضبابية كثيرة, كان الشرطي الهولندي قد تأكد من لغتي الانجليزية قبل أن يبدأ برشق الأسئلة, و أصررت أنني لا أريد ولا أحتاج إلى مترجم, ثم شرع بالاستجواب الذي سيمر به كل فلسطيني, شعرت بالغضب و قلت له “لماذا تفعل هذا؟”, ابتسم و قال “لو أراد أحدنا السفر إلى بلدكم سوف تفعلون به أكثر من هذا”. جلست في قاعة الانتظار, مرت ساعة و لم أستلم جواز سفري, موعد الطائرة يقترب و الشرطي الهولندي ما زال يذهب و يعود بمزيد من الأسئلة. بعد ساعتين ذهبت إلى مكتب الشرطي و قلت له أن هذا الأسلوب غير حضاري, فرد عليّ بهدوء ” و لكن هذه مهنتي”. ابتسمت و جلست أنتظر لمدة ثلاث ساعات, كان المسافرون يمرون عني و أنا أشعر بالعقاب الذي يتلقاه المسافر الفلسطيني عند الحدود و المطارات الدولية..

خرج الهولندي إلي من غرفة مليئة بالتلفونات و الشرطة, سلمني جواز السفر مختوما مع تذكرة طائرة جديدة, ببلاهة قال لي “نعتذر عن تأخيرك, و لكنها مهنتنا الأمنية”. نظرت إليه باستغراب و سألته عن اسمه, قال لي “لماذا؟”, قلت له “أريد أن أكتب عما فعلتموه بي, بعد كل تلك الأسئلة المضايقة تعتذرون لي”. جلس و هو يغمغم “أتمنى أن لا تذكرين اسمي.. ولكن لماذا”, قلت له “مهنتي..(الكتابة)”.

حمل الشرطي الهولندي حقيبتي و أوصلني إلى قاعة انتظار الطائرة الجديدة.. كنت حزينة و غاضبة و متعبة. مع ذلك, في نفس الوقت, شعرت بالغبطة تجاه معاملة الشرطي لي, لم يقطب حاجبيه لي و لم يتكلم معي بنزق, بالعكس كان هادئا و اقترح علي الجلوس على احد المقاعد و تناول كوب شاي ريثما ينتهي من واجبه!!. أضف إلى ذلك أن الشرطي وضّح لي سبب تأخيري. في وقت لاحق حين عدت إلى غزة, تحدثت مع صديقتي الفنلندية عن الموقف الذي حصل معي, فعبّرت عن استيائها قائلة “لنكن متفقين أن الدولة لها الحق في القلق من المسافرين الذين تشك فيهم, و لكن هذا ليس عادلا أبدا حين تنشر قلقها على جميع المسافرين القادمين من فلسطين”.

أتمنى من المطارات الأوروبية أن تحسن ظنها بنا نحن الفلسطينيين, أنا لا أتوسل ذلك, بل أطالب بحق إنساني, نحن لا نسافر إلى بلادكم لنهرب و لنطلب اللجوء السياسي, بالعكس نحن نسافر لنتعلم و نرى و نتبادل الثقافات, لدي أصدقاء سافروا لحضور مؤتمرات و ندوات ثقافية و استلام جوائز عالمية.. و لكنهم لم يهربوا! اخوتي سافروا للعمل و دراسة الطب في ألمانيا و لم يفكروا يوما بالتقدم للجوء السياسي. اللعنة! الهروب و اللجوء السياسي ليسا همّ الفلسطيني, هنالك أشياء كثيرة تشغل بالنا, أيها الشرطي في المطار!.

رميت نفسي في أول مقعد صادفته, حاولت أن أتناسى الموقف الذي حدث معي قبل قليل, فاذا بريم تظهر أمامي!. نهضت من مقعدي مصدومة, عانقنا بعضنا كالبلهاء!, أخبرتها بما حدث لي, فقالت بحزن “عملوها فيي المرة اللي فاتت, هيك بعملو بالفلسطينيين لما يسافروا”. ثم قضينا وقتنا في المشي و المناكير و مقارنة حياتنا بالغرب!.. إلى أن حان موعد الطيران إلى ستوكهولم.

انتظار في مطار سخيبول- هولندا
انتظار في مطار سخيبول- هولندا

Traveling with a Palestinian passport

Image
Schiphol airport. April, 2013.

I was exhausted, dragging my suitcase as if it was a heavy stone. I think it was a bad idea to choose the Schiphol airport, I regretted that for some reasons; the worst one is that I couldn’t walk anymore to my departure gate, because it was a big airport and I dropped off from that Egyptian plan in a hall which was very far away!. I got lost, so I had to ask strange people about my gate direction, and it took almost an hour to reach it.

 

When I passed by the airport security checkpoint, the employer took my passport and she gave it to a police. He asked me to wait close to a room full with polices and telephones!. There I found myself surrounded by that blurry question: Why am I here?.

‘Do you speak English?’, the police asked me.

‘Yes’, I replied. But he repeated the question adding,

‘We can bring a translator for you’

‘I don’t need.. I know English’, I said!

He wanted to make sure that I would understand him when he spoke English with me, so he started throwing questions at me, most of them were personal. I got angry with him, so I said:

‘Why do you treat me this way?’

He smiled saying,

‘Well, if I want to visit your country, you would do the same what I’m doing with you right now!’

I was a little disappointed with his answer, and said to myself,

‘Damn, diplomacy is not my business’.

 

I was still waiting to get back my passport when an hour had passed by, and that police was still coming back to me with more and more questions.  When only ten minutes were left to catch my plan, I got confused.

‘What’s wrong?’

I was sitting on a seat waiting for good news from that police, I felt sad when I was watching people pass by me happily waiting their turn to go into the departure gate.. I felt how much Palestinians struggle when they travel. I was like a little girl wanting to cry in her mom’s arms.

 

Two hours later, I went to the police and shouted:

‘You’re annoying me a lot, why do you do this?’

He quietly replied;

‘It’s my job!’

I smiled and went back to my seat waiting.

 

Then, that police came to me holding my passport.

I felt like things proceeded seemingly fine, he gave me it with a new ticket to Sweden. I felt like ‘WOW’, although I asked him about his name, he answered me with a wondering ‘Why?’

And I said:

‘Because I want to write about how bad you treated me’, and he murmured:

‘Ok, but why?’

‘It’s my job’, I said!

He sat beside me and explained me the matter of such ‘dangerous’ passports from countries like Palestine, and then he wished me a good trip saying:

‘When you write about what happened, don’t mention my name’.

 

I headed off to catch my flight. I was going through mixed feelings.

هيا نعلق رأس السنة الجيدة من شعرها

Photo by André Kertész
Photo by André Kertész

إنها ليلة السنة الجديدة

سوف نقطع رأسها

و نعلقه على عامود الكهرباء

اكسروا تلك القناديل المعتمة

اقلعوا تلك العين الفارغة

التي تسمى لمبة

هيا نعلق رأس السنة الجيدة من شعرها

هناااااك

لنضيء المدينة المرة الألف

و ندهن البيوت بلون واحد

أخضر

ثم ارقصي

رقصتك يا حبيبتي

لتشتعل قَدَم المدينة

و يتساقط المحتفلون بالأيام القادمة

حول عدمك

و تتحطم كؤوسهم بين أصابعك..