ندم اسمه ألمانيا

 Geislingen an der Steige, Germany ·  By Kawther Abu Hani
Geislingen an der Steige, Germany ·
By Kawther Abu Hani

يجب أن أقول، لأنني أشعر بندم كبير، يا لها من حماقة، بماذا كنت أفكر في ذلك الوقت الذي اشتريت فيه تذكرة الطائرة، بماذا كنت أفكر حين اخترت يوم الثلاثاء للسفر. إنها أسوأ رحلة يمكن لشخص سيء الحظ أن يجربها، رحلة بين الجبال الضخمة المملوءة بالأشجار السوداء، الشوارع كئيبة و أنا أكره ألمانيا القاسية. صدقوني، أنا الآن أعيش في شقة جميلة جدا، تحتها قبو قديم يشبه الزنزانة كان اليهود يختبئون فيه أيام هتلر، حتى أن المنطقة كلها كانت ملجأ لليهود الهاربيين من النازيين، أعيش في مدينة صغيرة محوطة بالجبال و الحزن و ذكريات الحروب الألمانية المجنونة. و لأسباب كثيرة كثيرة أندم على هذه الرحلة. لن أحب رجلا من ألمانيا، لن أصادق أحدا من ألمانيا، لن أشتري هدايا من ألمانيا لصديقي في استكهولم، لن أفكر بزيارة أية مدينة أية منطقة ألمانية.. ألمانيا ملغية من الجغرافيا، ألمانيا قاسية و يجب رميها في الشارع للكلاب.

كم تعبتِ يا نفسي

Napoli 1950 by Vittorio Pandolfi
Napoli 1950
by Vittorio Pandolfi

حروب كثيرة
كم تعبتِ يا نفسي
لأنكِ محظوظة جدا
لأنكِ لم تُقتلي.
أنتِ أنانية
ولكن يجب أن تعيشي حتى آخر حرب
فأنا أحب وطني
و عائلتي و جيراني
سأبقى الوحيدة التي تنتظر حربا أخرى
كي أطمئن على أطفالي مرات عديدة..
أنتِ التي لن تتوقف عن تقبيل ذراع حبيبها
الرجل الحر الذي عاد لتو من الدمار
على كتفه دم جنود
و صورتك المخبأة في جيبه
ما تزال رطبة
مثل باقي الصور في القصائد
و الحروب..
لم تمتلئين بالحياة بعد
تصرخين في ظهر الموت
‘تعالي أيتها الحرب القادمة
و اسعدي يا نفسي’

أحذيتي العسكرية الجميلة

اشتريت زوج أحذية جديد, قدمتها لي الشابة و هي تقول “استمتعي, الموضة الآن على الأحذية العسكرية”. أعجبتني التسمية, و أعتقد أنني سوف أشعر بأنني أمشي إلى حرب في كل مرة أنتعل “حذائي العسكري” الأنيق!.
حين عدت إلى البيت تفاجأ صديقي, يجب أن أتوقف, يجب أن لا أشتري المزيد من الأحذية, قال بامتعاض “أنت ماركوسية”. و بالطبع شتان ما بيني و بين إميلدا ماركوس, لن يفتح أحد ما خزانة أحذيتي و يقول “أنتِ مصابة بالهوس”, فأنا أقتني أحذية رخيصة, ماركات محلية غير معروفة, و لا أفكر أبدا بشراء أحذية من برادا أو شانيل..
أحذيتي لها ذاكرة طرق طويلة, فمثلا عندما أمشي بحذائي البرتقالي فانني أتذكر ذلك الصيف الجميل الذي قطفت فيه أول مرة أكواز الذرة من حقل كبير. أما حذائي الأبيض المتسخ كثيرا, فإنه يشعرني و كأنني أمشي في نفس الطرق المؤدية من مدينة غزة إلى حيفا, كان طريقا سريعا جدا و خاليا من أية ذكرى, كانا طريقا و حذاءا بلا ذكريات..
يجب أن أذكر هنا أيضا تلك الفتاة الايطالية, مصممة أحذية رائعة, فأنا أحد المعجبات بتصميماتها, لأكون أكثر دقة, أقول ليس بالأحذية نفسها, و إنما بأيقونة التصميم و هي عين زرقاء مفتوحة و الأخرى مغلقة, أضيف اسم الماركة التي اختارتها المصممة و هي “السلطة الشقراء”.
أليس في تصميم الأحذية و اقتنائها فنّ و جمال؟.

حظ نهاية فصل الشتاء

الشقة الجميلة جدا و الصغيرة و القريبة من كل شي، لقد أحببناها كثيرا و قررنا شراءها، كان سعرها جيدا بالنسبة لنا و لكن السعر ارتفع بجنون نتيجة تنافس المشتريين على الحصول عليها و بالتالي لم نستطع شراؤها.

المساء الذي جربنا فيه اللوتو، دفعنا مائة كرونة، و كان أمامنا ساعة لننتظر النتيجة، تناولنا الشاي مع بسكويت الشوفان و كنت أفكر ماذا سنفعل بالنقود الهائلة إذا ربحنا؟ و بعد ساعة جاءت رسالة ‘لقد ربحت عشرين كرونة’. اللعنة، حسنا لك عشرة و لي عشرة، سوف نشتري أقلام حبر جاف من النوع الرخيص جدا.


جاء أنديش ليناقشه في مشروع، استشارني بفضول ‘أتسمحين لي بالذهاب إلى افريقيا؟’.قلت بحزم لا، أنا لا أحب أن يذهب الرجال البيض إلى هناك. بالمناسبة لماذا لا ينقل أنديش مشروعه إلى غزة، لا نمانع من ذلك هاها.


فردت أوراقي على طاولة الطعام، في المطبخ حيث دائما أراجع دروسي، و بعد نصف ساعة انفجرت بالبكاء، أنا أكره هذه اللغة، و فوق ذلك أنت لا تساعدني في اتقانها. نظر إلي باعتذار و قرر أنه لن يتحدث معي إلا السويدية. مرت ساعتين لا نتحدث إلا السويدية، و كالعادة، ينتهي بنا الأمر أن نستسلم و نكمل بقية يومنا بالانجليزية.


دعتنا صديقة اسبانية و زوجها السويدي لتناول العشاء في بيتها. فكرت بأنه سيكون من الأفضل أن لا أتناول وجبة الغذاء، كنت متحمسة للعشاء الاسباني، ذهبت جائعة. جلسنا في المطبخ الكبير، كانت ماريا تطبخ شيئا ما و زوجها يضع كعكة اليقطين في الفرن. ثم جاءت اللحظة اللذيذة، وضعت ماريا لكل واحد منا صحن حساء البندورة و البيض المسلوق شبه النيء، و صحن سلطة خضار مع قطع الكلمنتينا.. كان ذلك هو العشاء!. لقد تجرعت الحساء كالكابوس، لأول مرة أتناول بيضة سائلة تغرق في صحن حساء البندورة. لم يعجبني العشاء بالمرة.


رافقتني ثيداروسا إلى صالون التجميل لأقص غرة، كنت أشعر بالطمأنينة و هي تراقب معي مقص الفتاة التي تجهز نفسها لقص شعري. عندما خرجنا من الصالون، لم نتحدث أي شيء، أعرف أنني خرجت بشكل جديد و غريب و ذلك يدعو إلى الصمت و الارتباك.

مفاتيح

يخرج البيت من بابك
الباب المقفل في رأسك.
يعتقد الناس أنك ساحرة
لا أحد يجرؤ أن يقولها
لأنك سوف تحولينهم إلى ضفادع..
أنت التي تحلمين بمطعم صغير
في زاوية الشارع
ترسمين طاولة
تضعين عليها شرشفا و زجاجة بيرة
مع أنك تكرهين رائحتها
مع أنك لم تسحري أحد
إلا أنك ما زلت ترسمين ذلك المطعم
و تلك الطاولة
و الزجاجة
و رجل تعرفينه جيدا
سيأخذ مفاتيحك
و يفتح الباب المقفل في رأسك.

سر الخبز

محاولتي في الخبز
محاولتي في الخبز

لطالما كنت أتجادل مع أمي بخصوص صنع الخبز في البيت, كنت دائما أقول لها أن الزمان تغير و أن شراء الخبز جاهز أسهل من خبزه في البيت, كما أن الخبز أصبح يباع بسعر رخيص. لكن أمي تخالفني, و تقوم بعجن الخبز بنفسها بالرغم من أن الطبيب نصحها بعدم الضغط على أصابع يديها لأنها تعاني من ألم المفاصل.. هنالك سر دافئ في يديها.. هنالك جمال حزين لا أستطيع تفسيره في فوضى الطحين حين تسكب الماء عليه, و حين تنتظر نضوج الخميرة, و حين تقطع العجين إلى كرات صغيرة.. خطواتها السريعة نحو الفرن و لمعة عيناها حين يتورّد الرغيف في النار مثل فراشة تقاوم الاحتراق..
ما تزال أمي حتى الآن شغوفة في صنع الخبز, إنه أحد أهم طقوسها في البيت. و الآن بعد أن أصبحنا بعيدتين, قررت أن أكتشف سر الخبز, و صنعت أرغفتي بنفسي. شعرت بالسعادة و أدركتُ بالضبط معنى أن تتلطخ يداي بالعجين..

* غدا سوف أحمل رغيفا إلى صديقة من غواتيمالا, اتفقنا أن نتبادل أرغفتنا, لتصنع هي خبزا عربيا و أنا أصنع خبزَ أمريكا اللاتينية.

المسخ و الفراشات

لا بد و أن الصراصير قرأت رواية كافكا “المسخ”.
كل الصراصير التي نلاحقها بالشباشب كانت في الأصل عمالا متذمرين
أو أشخاصا قرروا أن يرتاحوا في غرفهم قليلا
ثم بعد ذلم لم يستطيعوا مغادرة أسرّتهم .

و لا بد و أن الفراشات سعيدات
لأنهن كنّ مجرد حلم محيّر في منام جوانغ زي.
يجب أن نعترف بأن الفراشات لا نراها إلا في اليقظة.

غلافة رواية "المسخ" لكافكا باللغة الألمانية
غلافة رواية “المسخ” لكافكا باللغة الألمانية