بدأت السنة الجديدة في كوخ بعيد جدا عن العالم، كان الدب الكبير يتجول في الغابة و ذلك جعلني مستيقظة طوال الليل خيفة أن يقتحم الكوخ.. كان الكوخ بارد جدا لولا الأخشاب التي قطعناها قبل مجيء الدب. لم نتمنى شيئا لأننا نعرف أن الأمنيات في رأس السنة متهورة و تختلط في الأحلام. هذا المكان الذي أريده دائما، وسط الغابة و يطل على بحيرة جميلة و أنا أقف على الشرفة أتأمل الطبيعة الشتوية الخلابة و سعي الدببة و الغزلان و الأيائل القطبية للطعام و الحياة..
مكان كهذا بامكانه أن يقنعك بأن الطبيعة أجمل من الشعر و الرويات. إنه يشجع على الكسل و الشرب أكثر من الكتابة.
كل عام و الكل بخير!
ذهبنا إلى الغابة لنبحث عن شجرة الميلاد
و حين وجدناها، تحلقنا حولها و غنينا
كانت أغنية عن الترولز
رقصنا لاخافتها و ابعداها عن المكان
قطعنا الشجرة و ربطناها بحبل و جررناها
وضعناها في البيت ترتاح ليومين
في اليوم الثالث نقلناها إلى الصالة
بدأنا بتزيين جذوعها الخضراء.. علق كل واحد منا نجمته المفضلة و علقت أنا كراتي الفضية اللامعة.
جلسنا نتناول القهوة و بسكويت القرفة
كانت الشجرة المزينة تبدو لي مثل قتيل أحسنا تزيين قبره..
يا لنا من قتلة سعداء
حسنا لا دعٍ للشاعرية
غدا سيغادر ستيفان البيت
و يعود متنكرا على هيئة بابا نويل و يضع هدايا تحت ظل الشجرة الذي صنعته النجوم و الكرات الفضية.
سيصرخ الأطفال حين يعود ‘دائما تخرج لشراء الجريدة و يأتي بابا نويل في نفس الوقت.. العيد القادم لن نسمح لك بالخروج لشراء الجريدة’.
تماما تحت مطبخي، تكون غرفة نوم جاري..
ممنوع أن يصدر مني أي صوت مزعج،
ممنوع أن تحتك الصحون ببعضها
ممنوع أن تتحرك الملاعق و الشوك
ممنوع أن أزيح الكرسي
ممنوع أن أفتح الثلاجة
كل شيء ممنوع عندما يعود ذلك الجار من عمله
إنه مجنون تماما و في هذه البناية يجب احترام المجانين.. هذه حكاية لا تعجبني
مرة قطعت الجبن فسمعت ضجة مرعبة تحدث تحت قدمي
عرفت أنه قد سمع صوت التقطيع
فوقف على الكرسي و دق السقف بعصا المكنسة
كان ذلك غير طبيعي
منذ أكثر من سنة أعيش في هذا المكان
و فقط اليوم التقيت به، كان خارجا من شقته،
رأيت أكداس البريد في مدخل شقته المضاءة..
لم ينظر إلي. كان يجر حقيبة سفر كبيرة.
تركت المصعد له و عدت إلى البيت بسرعة
شغلت أغاني بويكا و بدأت بجلي الصحون و خبطت الأرض بدون قلق.
أثناء تسجيل الكتب في الاستديو، يصيبني الملل من كثرة سماع صوتي، فأضغط على رقم صفحة جديدة و أبدأ تجاربي في الغناء، كانت تجارب مخزية، خصوصا و أنني نسيت مسح احدى مقاطع الغناء التي أديتها للتسلية، و سمعها ماغناس، المدير و المخرج. بعث إلي يوم العطلة رسالة يستفسر فيها عن مقطع الغناء ‘هل الكتاب الذي تقومين بتسجيله يحتوي على جمل غنائية؟. أعتقد بأنه من الأفضل أن تتابعي القراءة فهذا أجمل’. و في اليوم التالي وجدت معظم زملائي و قد عرفوا بالمقطع.. و لم يفهم أحدهم أنها كانت أغنية ‘كتبنا و ما كتبنا’. و الحق يقال بأن ماغناس شعر بالرعب من صوتي عندما أغني فقام بفضحي في الاستديو مثلما فضح فردريك عندما نسي مسح مقطعا غناه باللغة الفرنسية، و كان صوته يجلب سوء الحظ.
هذه البلاد مملة جدا
لا حروب
لا مشاجرات بين الجيران
لا باعة يزعقون
ولا عمال بناء يصيحون على بعضهم بعضا..
بلاد وحيدة
لا أطفال يلعبون في الشوارع
لا رجال يتصيدون نساء الحي
لا آباء يجلسون على عتبات البيوت..
بلاد باردة
يأتي الشتاء بسرعة
و مع ذلك يغيرون التوقيت الصيفي
يرتدون العتمة و كثيرا ما يسافرون إلى الشمس
هنالك حيث بلادنا الدافئة و البعيدة جدا..
هذه البلاد تخرط العاطلين عن العمل
قاسية و صادقة لأن حبالها طويلة
و لأن مدنها تتسع للهروب اليائس
بلاد نحلم بها كثيرا
نسعى للسفر إليها دائما
لأجل الحب و الحرية و الحياة
بالرغم من ذلك
كم نحن غرباء و طيبون
سرعان ما تهزمنا رؤوس البيوت القرميدية
و تصيبنا الحرية بالاحباط..
هذه البلاد
ليست مثل مغامرات نيلز
لا تشبه بيببي
ليتها حقيقية مثل حبنا لبلادنا الحزينة..
في ليلة رأس السنة الماضية..
و أنا أشرب العصير شعرت بأنني أبتلع شيئا غريبا, بصقت الجرعة بسرعة و رأيت على الأرض عنكبوت صغير. صديقاتي أخبرنني أنهن وضعن العنكبوت في كأسي كي أتخلص من خوفي من الحشرات و الكائنات الصغيرة. و منذ تلك اللحظة لا أتكلم معهن.
عندما عدت إلى البيت, شربت ليتر ماء كي أنسى ذلك العنكبوت الذي كدت أبتعله. و ذهب إلى النوم..
في منتصف الليل, نهضت من نومي و صرخت بأعلى صوت, ليس لأنني حلمت بذلك العنكبوت, و لكن لأن رجلا غريبا دخل شقتي, و بدوره هو أيضا صرخ, بقينا نصرخ بدون وعي, و فجأة ركض بسرعة خارج الشقة. كنت قد نسيت اغلاق باب الشقة. عند الصباح وجدت حذاء الرجل في مطبخي, إنني أعرفه. جاري الذي يسكن في الطابق الأول كان سكران بفعل كحول الاحتفال بالسنة الجديدة. رميت حذاءه من الطابق الثالث الذي أسكن فيه و لم أتوقع أن يخرج الرجل في نفس اللحظة و ينخبط رأسه بالحذاء!. لم يغضب, بل عرف أنه فعل شيئا غير لائق في الليلة الماضية و اعتذر لي بخجل شديد.
جيراني في الطابق الرابع, لم يناموا الليلة, كانت الأغاني صاخبة, و صوت أقدامهم مزعجة و هم يرقصون عشوائيا.. و لكنني سامحتهم على ذلك لأنهم أشعلوا أربع شمعات على مدخل البناية.
كان صديقي قد اشترى تذاكر الحفلة في أبريل 2013, أخبرني أن المغنية اسبانية, و طبعا بدون أسئلة ذهبت بنهم أتعرف على المغنية السمراء القادمة من أصول افريقية.. ذهبنا إلى قصر الاحتفالات العريق في استكهولم المقام منذ عام 1888 و كان قد سبقنا الكثير من محبي بويكا. كان أداؤها على المسرح رائعا و دافئا, و كلما انتهت من أداء أغنية خبط المستمعون بأرجلهم الأرض مع صوت مفجوع يقول لا تتوقفي عن الغناء.
ولدت كونشا بويكا في اسبانيا عام 1972 لأبوين من غينيا, بدأت مسيرتها الفنية كعازفة جيتار و طبالة, و لكنها سرعان ما فضلت أن تكون مغنية فقط, لأن المجتمع الاسباني لا يحب المرأة التي تحمل طبلا! و لأنها تعبت من سماع لا لا لا, الجميع نهاها عن الطبل الذي قرع موهبتها و فجر صوتها القوي. اشتهترت في البداية حين كانت تغني في الملاهي الليلية في مدريد, و من ثم إلى العالمية عندما صدر ألبومها الأول Mestizuo عام 2000.
ترشح ألبومها Niña de Fuego (امرأة النار) لجائزة غرامي اللاتينية في دورتها السنوية 2008, مرة أخرى عادت بألبوم La noche mas larga (الليلة الأطول) لتترشح ضمن أفضل أعمال الجاز في جائزة غرامي الدورة 56 لعام 2014.
من الجميل أيضا أن أذكر هنا أن صوت بويكا لا يزال يقارن بأصوات خالدة مثل اديث بياف و نينا سيمون و إيمي واين هاوس.
أقدم هنا ترجمة لأغنية No habrá nadie en el mundo من ألبوم Niña de Fuego (امرأة النار) الصادر سنة 2008.