مقطع من مذكرات النجاة

مثل كل رأس سنة، نتذكر البناية التي احتفل ساكنيها حتى الثمالة.. أيقظني الساعة الثالثة صباحا صراخ شاب يقف أمام سريري، فصرخت معه بجنون.. كنت قد نسيت قفل باب شقتي، و قد دخل الشاب شقته الخطأ.

كان جيراني لطفاء جدا، و طيبون. صاروا مع الوقت مثل أهل و أصدقاء أعزاء. لم أتخيل يوما أن أعيش فجأة  في حيّ سويدي بحت، و أن يعرفني كل الجيران من خلال لون بشرتي و شعري المجعد، أطمئنكم بأنني أحببت أن أكون تلك الشابة المميزة بين جيراني الشقر، و بالطبع كان الأهم لي هو أنهم أحبوني لأنني فلسطينية. لم أفكر بوطني الأصل كشيء يدعي الشفقة و التهليل. لم يخطر ببالي غير الحب و وجع المعدة الذي خلفته الحرب الأخيرة على مدينتي.

كان الوجع يأتي وقت النوم، لأنه وقت نهوض الذاكرة و الألم، كيف يغمض ناج عينيه في مدينة قطبية سابتة في السلام بينما أهله و أصدقائه لا يغفو لهم جفن من القصف و القتل؟ كيف نجوت؟ شعور الذنب كان يمزقني كل ليلة. و في الصباح كنت أخرج رأسي من تحت الغطاء بحذر، أراقب الرجل الأشقر الذي فتح الباب بصمت ماهر و في يديه كيس ورقي دافئ فيه خبز طازج. كنت أنسى دائما أنني لست في غزة و لست وحيدة. و كنت أنسى أيضا أن الحب بعد النجاة طعمه رائع و غير حقيقي.

Leave a comment