في البدءِ والخاتِمةْ / نص لخالد جمعة

● ● ●
حينَ يخدعُني قلبي، أقولُ للموسيقى الوحيدةِ في فراغِ الإنتباه: روحي فوضى مساءاتٍ لا تُفهَمُ، تنسابُ الموسيقى في شقوقِ الروحِ كما تنسابُ امرأةٌ ترقصُ في خلايا عاشقِها الذي يغرفُ حزنَهُ من بحرِ عينيها، متمزّقاً وحيداً مُجْهَداً على شفا السقوطِ دونَ صوتٍ، خالقاً قامَتَهُ تحتَ جلدِه، مبتدئاً حربَهُ التي يعرفُ نتيجتَها وتفاصيلَها: هزيمتَهُ في البدء والخاتمةْ.
“أيُّ وجعٍ ينمو في تفاصيلِ الجسدِ حينَ تشدُّه المأساةُ وتفتِّتُهُ إلى شبقٍ وجفافٍ كثيرينِ ومعنى للماءِ أكثرَ من الماءْ؟”

سوفَ أُحِبُّكَ حتى يتغيَّرَ لونُ السّماءِ وتنفَتِحُ الأناشيدُ في قلوبِ الحالمينَ ورداً وسلالمَ من نورٍ يرتقي الخلودَ على مهلٍ، قالتْ، حدّقَ في كلامِ يديها منتبهاً إلى ورودِ النار تلقيها على الحقلِ الواسعِ جوارَ الموتْ، لم يُجِبْها بأيّةِ لغةٍ لكنّهُ قال كلَّ ما أرادَتْ سماعَهُ، لماذا أتيتِ والنارُ في حرش الكلامْ؟
“تتمدَّدُ على طاولةِ المتحفِ محاطةً بزجاجٍ سميكٍ ومشاهدين من أعراقٍ بالجملةِ، محدثي نعمةٍ وصائدي ذكرياتٍ مُهمَلونَ، نسِيَتْ أنهارَها وأوتارَها وأشجارَها حينَ لم يعُدْ معنى الحنينِ إلى الحنين، تصحو من الموتِ لتبحثَ عن شاهدٍ على الحياةِ، وتموتُ كما تنامُ”

قلتُ: عليكِ أن تفهمي وحوشي وغاباتِها، أن تلتقطي شعرةً من خواطري الغامضةِ كي تلفّي موتي ككائنٍ منفردٍ وحزينْ، احتاجُ إلى حُبِّكِ كي أميّزَ بينَ حزني وانكساري، أحتاجُ عينيكِ كي أرسمَ رؤيةَ العالمِ من أدراجٍ لم يصعدْها أحدٌ ولم يغنِّ على ظلالِها أحدْ،
قالت: وقتُكَ لكْ، ووقتي للتفاصيلِ الأنثويّةِ الخارجةِ من أفرانِ الكروم التي تُنضِجُ عِنباً على مهلٍ حالمٍ، يقفُ على جانبيه حُرّاسُ الكلام.
“قالتْ كلاماً من لؤلؤٍ مثقوبٍ وجاهزٍ للقلادةِ، ولم تقُلْ أنها لوَّنَتْ روحَها في صندوقِ النارِ كي تخدعَ رجلاً محتَملاً لحُلمٍ محتملٍ، لم يفهمْها ولم تكترث”

قالتْ: فقدتُ سريرَ ذاكرَتي حينَ سقطَ الموتُ من سقفِ الغرفةِ، حين عَرّيتُ صوتي أمامَ مرآةِ الهواءِ لأقلّدَ عصفوراً على شبّاكِ النومْ، أسَّستُ شعائرَ تعيدُ الأمكنةَ إلى ذكرياتِها…
“ينفصلُ البيتُ عن ذكرياتِهِ كمولودٍ عن أمِّهِ، كصوتٍ عن فمِهِ”

ذائبةً في مواعيدَ لم يأتِ إليها أحَدْ، تشقّقَتْ لغةُ انتظارِها، أكملَتْ طقوسَ انتقامِها كسيدةِ مقامٍ عريقةٍ، ورودٌ في الجوارِ، بخورٌ يجلِّدُ الهواءَ، كتبٌ عن الحبِّ على الرفِّ القديم، موسيقى أكثرُ من خافتةٍ تنبعُ من الحائطِ، أوراقٌ معبّأةٌ بخططٍ للحياةِ، صرختان في الثلاجةِ، كلماتُ عشقٍ لم تقلها لأحدْ، لوحةٌ من خشبٍ وطباشيرٌ ملوّنةٌ، وجسدٌ مكتنزٌ بالغيمِ ينتحرُ بالمطرْ.
“ينتحرُ ناقلُ المشهدِ قبلَ انتحارِها”

21 تشرين أول 2009

* خالد جمعة:
شاعر و كاتب من غزة
مواليد 1965

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s