ورق جدران

كانت كل الأشياء تصيح ” خذي بي.. خذيني “
على الدرجة الأخيرة من السلم وجدتني أفتح الباب بتوجس و أدخل السرداب بريبة و رهبة كما و لو أنني تائهة في معبد مهجور منذ عصر قديم..
أنفض الغبار عن صناديق قديمة..أركل وسادة بيضاء مطرز على حوافها ورد أحمر ذو وريقات سوداء.. و أزيح برفق زجاجات خمر فارغة,إلا أنني بلا وعي أجد ذراعي تدفعها عن الطاولة فتقع و تتفتت حتى لكأنها تبدو كذرات رمل ملون..
مثل الزجاج أنا, خلقت من الرمل.. و لكن متى أعود إلى شتاتي ؟!..أتناثر هنا و هناك..أعضائي و نبضاتي المعذبة..عقلي مزروع هناك.. وروحي تسبح في فلك ما..و هنااك في البعيد تنمو فسائل حبي.. و أبعد من هناك لحمي تنفخ فيه العواصف و عظامي تنبت وحيدة مثل صبار في صحراء غير مكتشفة..
يا إلهي ..لماذا جمّعتني و جعلتني على هيئة ” بشر ” ..
ثمة صحون بلاستيكية مبعثرة على الأرض و سكاكين و حزمة أشواك مرصوصة في جارور خشبي هش.. تفوح من بين الأواني رائحة خبز متعفن و سمك نتن.. تكوّنت الفطريات و نمت طحالب على الطعام.. صراصير مقززرة..حشرات يشعرك لونها الأخضر الملس بالقشعريرة الأبدية..
عناكب لا تعشش في الزوايا فقط بل في الوسط و بين الكتب المفتوحة على أرفف المكتبة..خيوط ضبابية تشابكت بين صفحات رواية.. أصابعي تمزق الشبكة اللعينة..” الحرب و السلام “,تولستوي..مذ أن ولدت وأنا أعرف أن الله واحد و أن الحروب عديدة..” الحب في زمن الكوليرا “, يا لنا من عشاق سيئي الحظ..
أحتاج إلى التنفس..قليلا..
المكان في هذا السرداب الموحل يضيء في عينيك عتمة المقابر..يحيطك بأشياء معتادة فتكتشف بعد حين من الصمت المريع أنها أشياء ليست كالتي اعتدت على شكلها و كيفية استعمالها..تتغير بين الفينة و الأخرى إلى أدوات قابلة للذوبان و التحول إلى نهر نحاسي يصهرك..دمي يفور..ثمة أشباح تتصاعد من الروايات كالدخان و تجلس على الكراسي.. هرولت إلى المصباح اليدوي المرمي عند أقدام سرير حديدي..قبضت على يده الحلزونية..كانت أصابعي ترتجف..أحسست بأن المصباح متوتر لذى بقي مطفأ,,هدهدت نفسي,فما أراه هو مجرد ظلال انعكست من خوفي و غربتي عن وحشة السرداب..
سرت قدما حتى آخر السرداب,مثل راع قطيع فقد ربابته وسط غابة و عاد يبحث عنها في آخر الليل.تعثرتُ بشيء ما.انحيتُ لألتقطه..كاد يغمى عليّ..من أين جاءت هذه الجمجمة الآدمية إلى هنا؟.. و تذكرتُ أن جدي كان طبيبا جراحا يهوى مهنته و مع نشوب الحرب ازداد تعلقا بمهنته و صار كالمجنون يجر الجثث إلى عيادته,حتى إذا انتهت الحرب ينشرها(الجثث)تحت الشمس كي تتحلل و تجف..يأخذ العظام و يخلّدها في عيادته التي تحولت إلى متحف عظام أو إلى مقبرة..!. خلعتُ حذائي و ركلت الجمجمة بأطراف أصابعي..تدحرجت و اصطدمت بالخزانة,سقطت عليها قطع قماشية و ثياب رثة..غطتها..ابتسمت كأنني انتصرت على ملك الموت و لم أمت!.. خطوت خطوتين.. ارتطم صدري بالجدار.. ارتد جسدي ككرة مطاطية إلى الخلف..
مسحت بأكمامي الرطبة اثر العرق الكثيف-ورق الجدران..ثم نزعته و طويته.. لا بد و أنهم في الطابق العلوي ينتظرونني,أو أنهم بدأو الاحتفال بعدما شبعوا من الغضب عليّ و صب اللعنات..
اقتربت من الباب..صرتُ خارج السرداب..
كل الأشياء تصيح”خذي بي.. خذيني”
و شعرتُ أن كائن قوي يشدني بعنف نحو الجمجمة التي ركلتها..حملتها..ضممتها إلى صدري و دموعي تسيل و تملأ محجريها الفارغين مثل مغارة عميقة.. قذفت ورق الجدران و ركضت إلى الطابق العلوي..
كانوا جميعا يغطون في نوم لذيذ..ضوء الثريا المتدلي من السقف بشكل ينم على ثراء فاحش-ما يزال مشتعلا,كشف عن حفلة عيد ميلاد باذخة كانت لأخي الصغير..كعك و فواكه و قشور و كؤوس و عطر.. و هدايا تنتظر الصباح ريثما ينهضوا من تقاعسهم عن فتحها..
دلفت إلى غرفتي بهدوء..وضعت الجمجمة إلى جانب مرآتي…
لا بد و أن جمجمتي ستكون بمثل جمال جمجمته..
جمجمة جدي.
2008

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s