الخروج دون ذكريات

تأكّد بحذر أن صاحب البيارة قد خرج بعدما صفق بابها الصدئ,و صدر أزيز خشن يُشي إلى الطمأنينة.حدّج بصره مرّة أخرى في عدة اتجاهات,زفر أنفاسه المحصورة بين حنجرته و رئتيه,فاندلق لعابه و أسرع إلى شجرة البرتقال التي حدّدها و خطط لافتراسها,اقتطف حبة كبيرة ملأت كفيه,نَشَق رائحتها,كم هي قريبة من رائحة أرضه..
وَرَث عن أبيه أشجار برتقال عمرها سنيًّا طويلة,بعمر الأجداد و أول غارسيها.كانت تُشكّل في عددها الكبير اسم “أرض وِلْيَمْ”,ذلك منذ أيام الانجليز قبل ال 48 !. “وِلْيَمْ” رجل أعمال بريطاني يملك ثروة طائلة,كان يشتري حقول و مزارع أهل القرية من الذين وصلوا إلى حاجة بيع أراضيهم للتستّر عن الفقر و الجوع أو لأسباب التغرّب..
كل من يشم رائحة برتقال تفوح من أي مكان في القرية ,بلا سؤال يعرف أن مبعثها “أرض وِلْيَمْ”,أرض أبيه الغزيرة الأشجار كالمطر..
“وِلْيَمْ”! هذا الاسم أصبح على ألسنة الناس وقتذاك كطعم حليب العصفور؛لصعوبة نيْله و شدة ما لَه من معنى مُهيب و سطوة ثراء.حظيَ والده بهذا الاسم أو بالأحرى “اللقب” و انتسبت الأرض للقبه الأشبه برتبة ترقية ضابط إلى جنرال !,حتى صارت “أرض وِلْيَمْ”..
كشّر عن أسنانه و كالوحش عضّ حبة البرتقال,انغرزت أسنانه في القشرة حتى فار السائل البرتقالي على وجهه مثل شظايا بلورية..امتزج عرقه اللاذع مع السائل الحلو..مع رائحته الداكنة..تكوّنت تلك الرائحة البعيدة:”لَم أنساكَ يا أبي”.قضى على البرتقالة بشراهة,و حين مدّ يده لاقتطاف أخرى تذكّرها..لا بُد و أن زوجه في هذه اللحظة تنسج آخر خيط في طاقيّته..”لن أخذلكِ,ستتذوّقين برتقال هذا الموسم..ستنقعين برتقالة في معدتكِ حتى موسم السنة القادمة”..”آه..لماذا كل هذه الأوجاع؟..قرحة في المعدة ! ..لا لا,إنها قرية..أرض..برتقالة في المعدة..كيف تسمح لنفسكَ أيها الرجل بالتوهّم؟..كيف تبتلع البرتقال و تدسّه في معدتك حتى يصل طافحا خارج فمك,أتظن أن معدتكَ ستحفظ الأرض و تصون الأشجار ..
و فجأة وجد الحبة متفتتة على الجدار المتآكل..ترمّل السائل البرتقالي جانحا نحو اللون البني الفاتح..ضرب بأطراف أصابعه جبينه,تذكّر أنه قذف البرتقالة على الجدار و تسبب بموتها..شَعر أنه يريد قتل الماضي..يقتص من ماضيه الأسود, ” ألا يكفيكَ يا بو شوكت قتل فرحة زوجتكَ..ألا؟!”..صرخ بصمت.نحّ صراخه في صدره نحيحا قاسيا..
في ال 48؛حين وطأت أقدام الجيش المحتل قريتهم,وبدأ الجنود ينتشرون هنا و هناك,أول ما أطلقوه من رصاصهم كان على مختار القرية,لم يلتقط أنفاسه و اضرج بدمائه أول شهيد..فاهتزت قلوب الأهالي و دبّ الخوف فيهم..سارعوا إلى دفن ثيابهم و فناجين المضافة و أدوات المطبخ..وغير ذلك.أما “بو شوكت” فقد دفن مثلهم أغراض بيته,و قبل مغادرة القرية مع الجيران و الآخرين ألح على زوجهِ أن تدفن مهرها و خاتمها الذهبي..زوجه التي مضى على زواجها منه أقل من أسبوع,رضخت لأوامره و دفنت مهرها كأنها تدفن فرح عمرها و حياتها..ثم غادروا القرية مطمئنين على ما دفنوه؛لأنهم غدا سيعودوا و يجدوا الجيش قد خرج منها بعدما أفرغ شهوته في النذير و التدمير ..
و لم يعودوا, و اندفن فرحها,مات و لم يبعث.”لن يبعث فرحكِ إلا العودة يا حبيبتي..و التنبيش على قبر مهركِ..آه يا حبيبتي سامحيني..
بكى أبو شوكت بحرقة..اغدودن و سقط على الأرض مثل سكران مهموم..دوّر جسده بصعوبة إلى ناحية الشجرة “الأم”, ترقّش وجهه بذرات الرمل الرطب..أكل رائحة التراب..الأرض..البرتقال..هذه أرضكَ يا رجل..أرضكَ,لا تخاف من الذي خرج قبل قليل,هو مجرد كائن متطفل ..”سأبيده”..ملعون سرق أرضي,احتلها..يمنعكَ من قطف برتقالة من شجرتكَ..
خرجت زوجته من هذه الأرض قبل خمسين سنة بلا فرح,بلا ذكريات..لم تعِشْ معه سوى أسبوع.كانت الحياة فيه بدائية التكوين..بجانبه تنام على الفراش الأرضي الرطب..تنام بعدما تتأكّد من كلامه أنه روى الشجرَ أكثر ماء استطاع جلبه من البئر..لَمْ تكن تلك الأيام القصيرة كافية لأن تَلِد ذكرياتْ.

الطرف الخجول

نافذة مربعة ذات اطار حديدي صدئ,ينز من حوافه الهشة بقايا مطر عالق,إلى جانبها الأيمن مُثبّت سريره,يتقلب عليه جسده المريض و لا يهدأ..إلى الجانب الآخر يوجد سرير قصير لَمْ يحظََ بعد-بالرغم من كثرة المصابين-بالمريض أو المصاب الذي يملأه..
كانت الغرفة تعج بصرخات الجرحى و صياح أمهاتهم على تعاسة الحظ و وجعه.الأسِرَّة مُبعثرة في كل بقعة من الغرفة,والأقدام كثيرة..أحذية طَلت البلاط المتسخ ..
نظر إلى السرير الفارغ باشمئزاز,تساءل عمّن سيشغله,من؟هل سيكون مريضًا؟أم مصابا؟برصاصة أم شظية؟..تمنى لو كان جسد أوسع؛لَضَمّ أسِرّة المستشفى بعضها إلى بعض و شملها بجسده وحده كي يمتص دماء و آلام القادمين,ويجعل من سِعة جسدَهُ مستنقع الموجوعين..فقط هو يتوجع,يتقلّب,يئن..بينما الآخرين بريئين,يتمتعون بحياةٍ أعدل..خارج المستشفى و غرفها الأشبه بالمقابر..
شدّ طرف البطانية إلى فمه,وصار يعضها بمرارة..أحسّ الوجع يتكاثر في تلك المنطقة البعيدة عن متناول يديه.هناك في ظهره,تنخزه خلف قلبه..حَكَّ قلبه بجنون,كادت أظافره تمزق لحمه..صار يتقلّب أكثر..لم ينتبِه أحدٌ إليه,الأطباء كانوا في غرف الطوارئ..و في لحظةٍ انخمد الوجع,و اختفى تماما..أبعد البطانية عن فمه,كانت مبتلةً بلعابه اللزج..
تناهض..حاول النهوض..أسند ظهره على الوسادة,بعد أن تأكد من وضع جسده المقبول,صار يمسح العرق عن وجهه بأكمام كنزته الطرية.شمّ رائحتها تفوح من بين الخيوط..
الفتاة الخجولة التي التقاها في استديو التصوير قبل اجتياح المدينة.جلس إلى جانبها على المقعد الطويل لينتظر دَوْرَهُ..شعر برغبة في الثرثرة معها..و كان التحدث معها صعبا,قليلة الكلام..تنقّطه من فمها حرفا حرفا,حتى ظن أنها تعدّ كلماتها قبل أن تفرج عنها شفتيها..قال لها أنه سيتصوّر,للذكرى صورتين:صورة لكامل جسده,و صورة لوجهه فقط . بينما هِيَ ستتصوّر صورة واحدة للهويّة,كانت بعد الحاح شديد قد رضخت أخيرا لأن تجمّع أوراق عمل الهوية,فهي لا تريد هوية مكتوب في أوراقها مكان الميلاد”غزة”,تريد أن توثّق ميلادها و أصلها في قرية”حمامة”,القرية التي لَم ترَها أو تأكل من طابونها و شجرها..فقط حدثتها عنها جدتها..استعارتْ ذاكرة جدتها كملجأ تلوذ إليه حين الحنين يباغتها..
كانت تتكلم بلكنة مضمخة بالحزن..ثمة حزن مشترك بينهما:الميلادْ!.
آخر مرة التقا بها كانت قبل يوم من تفاقم مرض قلبه و اصابته برصاصة من رصاص الاحتلال..كان حالما مثل طفل أو مراهق..أعطاها صورة وجهه..وشوشَتْ في أذنه أن أجمل ما فيه عينيهِ الخضراويْن…ضحكَ و تمنى بصوتٍ عالٍ بالوقت الذي يجمعهما معا تحت سقفٍ واحد,في غرفة واحدة,إلى جانب بعضهما..كانت تنبض بالطفولة,تلوّن وجهها-وقتذاك- بألوان الخجل:أحمر,أبيض,تمتماتٍ غير مفهومة تنمّ عن فرح و انتشاء..

انزلق قليلا عن الوسادة,واستدار إلى جهة السرير الفارغ.عاوده الاشمئزاز,شكله الفارغ يُشعره بالقشعريرة,يُذكّره بصورة وجهه..”آه لو تراني,هل ستعرفني”,صرخ بصمت عميق,ليلة الاجتياح تشوّه وجهه من الشظايا المتطايرة عشوائيا مثل انهماء المطر بلا سبب..
كان بابُ الغرفة المرمي فيها مفتوحا على مصراعيه لعجلة القادمين من حمّالي نشّالات الجرحى..لَمح أحدهم يحمل بين ذراعيه”انسانا”ما,بانت تفاصيله الصغيرة حين دخل الغرفة..تهدّل شعرٌ أسود مخصّل بخطوطٍ حمراء صبغها الدم..رُمي الجسد الضئيل على السرير الفارغ,فيما ركض الرجل خارج الغرفة لينقل مصابا آخرا..تحركت اليدين بخمول..انفتحت العينين الواسعتين..شَهق”هذه أنتي؟!”.نظرتْ الفتاة الصغيرة إليه و سألته”مَنَ!”,قال مندهشا”رمزي..قاطعته باسمة”لولا عينيكَ الخضراوين لَمَ عرفتُكَ”..
تعرّفت إليهِ من جديد.خبّأتْ صورة وجهه تحت الوسادة,ثم قالت بصوت خجول تُأرجحه أنّات متقطعة:ها نحن في غرفة واحدة !.

أرواح صغيرة

تتشبثُ أصابعكَ بأطراف الشرشف الخميل ذو اللون البني الغامق,عينكَ اليمنى مغمضة و الأخرى المفتوحة بكسل تنظر عبرها إلى ساعة الحائط المعلّقة فوق الباب كالمشنقة ,الخامسة صباحا,مآذن الجوامع تبشّر بالعيد..تصدح بالتسابيح و التكبيرات.ترتمي يدكَ بلا وعي على صدرها,لم تستيقظ على ثقلكَ.ما تزال نائمة كقطة أليفة.تنتبه أن ضوءا ما ينبعث من هاتفكَ اللاسلكي..خافت,يُومض و ينطفئ كعينيْ شحاذ يتوسّل.تتفقّد من أنها ما تزال نائمة.تختطفه يدكَ من على الطاولة الصغيرة المركونة بجانب سريركَ,فيما يدكَ الأخر ما تزال على صدرها و أنتَ ممد على الفراش ..كأنكَ نائم.تقرأ الرسالة التي وصلتك” إزا كنتَ صاح رِنْ لي”.ينطفئ الضوء.تحذف الرسالة.لم تعُد قادرا على النوم.التفكير أنعشكَ..بل شلَ رأسكَ و كامل جسدكَ.
الآن هِيَ نائمة.أنتَ تفكّر.تتذكّر.تتوجّع.طفلكَ يفتح باب الغرفة على حين غرّة,ويشد الشرشف عن جسدك,فتفزع و ينتشلكَ تهليلهُ من دوامة التفكير التي اغتالتك.تتناهض بألم,لَم تَشَأ أن تغبّر و تكسر فرحته,قبّلته و ربّت على كتفه.خرجَ و تركَ باب الغرفة مفتوحا..لمحتَ ابنك البكر يهمُّ بغسل وجهه.”إنها بعمر أولادكْ” “لستَ مراهقا يا رجل”..تتحدّث مع نفسكَ بصمتٍ , بلا معنى أنتَ تكذب عليكَ لتتوهّم أكثر…
تستيقِظ زوجتكَ.تمسك بيدكَ,تقول كأنها تقرأ فيكَ شيئا ما تخفيه عنها:”هل أنتَ على ما يُرام ؟.تبتسم و تقول رغما عنكَ : كُل عام و حبيبتي بخير..(تتنهّد)..نعمْ.
تبتسم و تُشعركَ بالأمانْ و الاطمئنان.
***
لا أعلم من أين تفجّر هذا الحب بقلب رجل قد بلغ الخمسين من عمره,رجل شابَ شعر رأسه,يتكئ على عكّاز,ظهره آيل للتقوّس…متزوّج و له أبناءْ .
فكّرتُ بتلك الفتاة الملعونة,لم تقل لي يوما”أحبك”,و لو مرة منذ تلك اللحظة التي ارتعش في أوردتنا نبض جميل..خدَرٌ خفيف..عطرٌ أزرق مريع لكنه وّرِع كأنه راهب نثر رهبة الورد فينا و سَحَرنا.
غمرني تمرد لذيذ.أدركتُ أنني سأعترف بشيءٍ.لكن بكلماتٍ مُلمّزة,قلتُ لها:حين تأتين,سأضعُ يدي في يدكِ.ورّطتها بالخجل.صمّتَتْ هنيهة.فجأة قالت بصوتها السكان المفعم بالطفولة و الأمان : إذا سمحَ لنا الاحتلال.
كِدتُ أقطّع أسلاك الهاتف من شدة الغيظ,كيف للاحتلال أن يتدخّل بحبنا أيضا؟..لَم تخطر ببالي الحواجز التي قسّموا بها وطننا إلى أوطان صغيرة امتلأنا فيها كالنمل و انتشرنا كالجراد..فقراء,نحسب لكل صغيرة ألف حساب..
قالتْ:كِيف الشتا عندك برامالله؟
قلتُ و فقاعة نار ينخزها صوتي فيسيل صابونها الحار في حنجرتي : مثل الرصاص عندكِ بغزة.
قهقهَتْ.لأوّل مرة أسمعها تضحك.قالتْ: و الناس؟
أبعدتُ سماعة الهاتف عن أذني..أبدو مع هذا السؤال كأنني مُنذرهم إلى ضباب كيف..كأن الناس فقط هم زوجتي و أولادي!.يا ترى هل أغالي بالأمور؟..هل هذا الفتاة الصوتيّة تُعتبر أمر؟..أمر سيُغير مجرى حياتي ؟!.. أمر لا بد أن أحسم معه معمعتي بنتيجة مقبولة أو غير مقبولة , المهم نهاية له . لأنتهي من هذه الغوغاء التي تُدوّي برأسي مُذ عرفتها.
***
للوهلة الأولى ظننتُ أنني أثرثر مع قطعة حديد.لكن تأكّد لي أنه انسان,كائن حي :مثلي..مثلكَ..مثلكم جميعا.يتنفس,يأكل,يشرب,له قدمين و قلب..يسير و يَشعر..
كان بالنسبة إليّ فارس أحلام من نوع حلم آخر ,حلم لاجئة,تكوّنت مثل طحالب خضراء في زوايا الأزقة..لها رائحة البحر لكن الملل و الوجع امتصا الرائحة الصاخبة و ضمّخا كل شيء..كل شيء برائحة عفن الخبز.
كنتُ بكل حواسي أحس و أستشعر ذاكَ الوجيب بقلبه.انصتُ إليه حين يصلني على شكل اهتزازات الكترونية أو دوائر فضيّة إثر قذف حجر صغير في بركة ماء ..نبضات قاسية,مشاعر تشق مسافات من جسده و من طرق ملتوية لتصل إليّ..تلامس شغافي,تخترقه,فتنبثق نبضة غامضة من نبضات مفاجئة كموسيقى من مقهى أو فراغ فسيح,حر طليق..
لم يسمح الاحتلال لنا بالخروج من غزة.المعبر المؤدي لمصر أُغلق.و البقيّة مُشمّعة بالشمع الأحمر الجاف.كلانا تورط بالآخر!.لَمْ أشأ أن أخذله.بأي طريقة بحثت عن منفذ لهذا السجن و البرزخ الذي بيننا…
و أخيرا قلتُ ” سأقول أحبك” رغما عني!.
كان فجر العيد.أرسلتُ رسالة قصيرة “إزا كنتَ صاح رِنْ لي” أيْ هاتفني .
و كانت الصدمة أن لَم يرُدّ عليّ..رعدٌ صعقني من غيمتين تصادمتا في السماء و تحطمتا فوق رأسي..انتظرتُ حتى ثالث أيام العيد,لكنهُ لَم يَرُد.
***
ارتشفت مع زوجتكَ فنجان القهوة على عجل,فأولادكَ ينتظرون”العدِيّة”,و أخوتكَ تحت شرفة شقتكَ ينتظرونكَ لبدء المعايدة على الأقارب و أخواتكَ التي أوصاكم بها والدكم.كم تمنيتَ المرض آن ذاك,لتبقى متكوما على الكرسي أطول وقت,تتخلص من تفكيركَ بها,وتصل إلى نهاية ما ..
زوجتُكَ تشكّ فيكَ..
مضى ثلاثة أيام من العيد و أنتَ بلا شيءْ.انتهى العيد.لم تنتهِ إلى نهاية.تشتت فكركَ,اضطربَ قلبكَ.تمسك الهاتف و تقول بلهفة:”حبيبتي..
تقتطع صوتكَ قائلة:”أعتذر عمو..كنتُ أريد أن أقول لكَ كل عام و أنتَ بخير “..
تريدُ(أنتَ) أن تقول مُتقحّما شيئا,لكنها تتابع بسكون(قلبها يتمزق):”أزعجتُكَ في الرسالة..ربما كنت نائم و أيقظتُكَ..

الهدية

بعد أيام قليلة تُعد على الأصابع , سأرحل إلى رام الله . فقد يئست من حب غزة , و اختنقت من هوائها الملوث بزفرات اللاجئين و البائسين و اليائسين .
صومعت أفكاري لأرتب بعثرتها , و أستطيع معرفة ما سأفعله في الأيام الأخيرة المهملة في غزة . وَمَضت في خاطري فكرة . تلقّفت حقيبتي و أسرعت إلى بائع المجوهرات .. و هناك طلبت منه عقدًا يشبه الملفوف حول عنقي . في نهايته يتدلى قلبين مندمجين في بعضهما البعض بالتحام قوي .
في ليلة الرحيل سألني و قد كنا نتأمل منظر غزة من أعلى طابق في البرج و هي غارقة في نور المحاق : هل ستتذكرين هذه الفتاة المشرّدة ؟!
نبرت : … و الجراح و الدموع و القهر .. و الجدران الملطخة بالدماء و أسماء من استشهدوا في الحواري ..
قاطعني و قال ببراءة : رماللة حلوة
– هوا بس حلوة .. و مش بس غنوة .. هيا الجنة ..
زفر بدون وعي . و أطبق الصمت في المكان . لم أعد أسمع غير هدير محركات السيارات تصخب .
كانت عيناه تجوسان سطح غزة كصقر مكسور الجناح . في تلك اللحظة أمضّني مظهره المثير للشفقة . ضحكت آنها في قلبي بوجع . لا .. لم يكن ذلك ضحكًا ؛ بل كان أنينًا ما .
قلت بحزن ممزوج بالفرح و أنا أشير بابهامي نحو جهة الشمال : شوف رمالله .. حتى الليل عندها نهار .
لم يلتفت إلى حيث أشرت . قال ساخرًا : و شو عرّفك إنه رمالله في هالإتجاه .
– كل مدن و قرى فلسطين تقع في الشمال , إلا غزة في الجنوب .
– ممتازة في الجغرافيا !!
اختلجت شفتايَ استعدادًا للبكاء . حبست دموعي و تماسكت. قلت بصوت ضمّخه الشجن : إذا بلدنا لا نعرف عنه شيء .. فكيف نغرز إبرة البوصلة باتجاه لا شك فيه , فنقول : الشمال لحيفا أو الجنوب لرام الله أو الشرق للقدس !؟
حملق في وجهي .. و قد بدا شازب , لا رغبة لديه في الجدل.
– ليلة غدافية الإهاب
استعجلت : لأن القمر في طور المحاق
– بل لأن صغيرة مثلك سترحل غدًا
– و هل تسمي الإقامة في مدينة أخرى بذات الوطن رحيل !
– فقط في وطننا المُقطّع .
كان يتكلم و على لسانه الكثير من الكلام الذي لن يفلح في تفريجه – كما يتمنى – في هذه اللحظات الأخيرة .
– لمن اشتريت العقد أبو القلبين ؟!
– لأهديه لأول من أراه حين أرحل من غزة .
حين انتهى الليل و نام الفجر و مدت الشمس أطنابها , جاء و أوصلني إلى الحدود ..
اجتزت نقطة التفتيش , حتى صرت في كوكب و هو في كوكب آخر , تفصلنا مسافات مستحيلة ! .. بينها أسلاك شائكة .. و حقل ألغام .. و سحب رصاص .. و غيوم دخان .. ككل شيءٍ .. شيءٍ ..
مدّ يده و صافحني من بين الأسلاك .. دعا لي بالتوفيق دعواتٍ فيها صوت دافئ كالأم , ثم مشيت بارتجاف إلى رام الله .. و وجهه بتفاصيل جسده شيئًا فشيئًا تتلاشى مع ثبوته في مكانه !
صرت أركض .. أركض و أنا ألهث ككلب جائع و لعابي يندلق من لساني ..
نبحت : راا..ااام الله …. رااااام الله ..
أنتِ أول من رأيتْ .
لكِ الع… ـــقد ..

المنتظرون بين غيوم الأرض

رفع أخي الصغير القطة السوداء إلى أقصى ما استطاعت ذراعيه , قال و ضحكاته تمط مع مواء القطة : أتعلمين لماذا الوادي لا يجف ؟ – صمتَ – ثم تابع و كأنه شعر بأن مواء القطة المتواصل لهفةٌ تنتظر منه اجابة : لأن مجاري المخيم تصب فيه .
وادي غزة ! متى آخر مرة التقينا . على ما أذكر كانت و أنا في الصف الثاني الابتدائي , أثناء رحلة مدرسية . يومها حين وصلنا الوادي قال لنا مرشد الرحلة مترجلا : على يساركم – الآن – ترون وادي غزة ..بعدها مباشرة شهق الطلاب الصغار – و أنا من بينهم – : ” وادي ! ..أغلق الجميع فتحات أنوفهم بأصابعهم و هم يتأفأفون ” شو هاد ..وادي ولا وحل ” , لم يتوقف الباص وأسرع السائق في المرور عن الوادي و رائحته الكريهة .
تذكّرتْ ؛ كنتُ وقتذاك صديقة حميمة لطفل بعمري اسمه رمزي , كان الوحيد من بيننا يحمل ساعة في جيبه , و مع أنه لم يكن يعرف الوقت إلا أنني لاحظت و بدافع غريب أنه يظل باستمرار يحملق فيها , سألته مرة عن السبب , ففاجأني بأن مدّ الساعة إليّ و أشار بسببابته إلى العقرب الطويل و قال : “أبي أخبرني أن هذا العقرب حين وصل يصل الرقم 5 فجرا سنعود إلى القدس . قال و كأن أبيه قد تعب في تحفيظه إياه هذا الجواب ! .
أحسست بخدر غامض تشظى في صدري .. القدس ؟ علمتُ انها عاصمتنا من درس التاريخ , غير ذلك عرفته بعدما كبرت و قرأتُ اسمي بين أسماء اللاجئين في المخيم ..صحيح؛ انتبهت و دون أن أعير ذلك اهتمام أن ساعة رمزي لم تكن تعمل , متوقفة تماما كقلب لا ينبض ..

ياااالله ! وادي غزة و أخي و القطة , كل شيء صار يمت لشيء بصلة سريالية لا علاقة لها بالآخر : العاقل و الجماد ,. البرد و الحَر , الحاضر و الماضي , الذكريات و القادم من مستودع الأيام ..العاقل و الحَر , الحاضر و الحجر ..واعكس الكلام , و لا تهلوس معي !!
وقفتُ عن الكرسي . مال جسدي نحو النافذة : جثة متعفنة يغزوها البعوض و الحشرات كان اسمها وادي ..انحدرت دمعة من عيني و استقرت على البلاط , صنعت في انحدارها خطا لاذعا على عنقي ..مسحته بالمنديل و رحتُ إلى أخي ..سحبتُ القطة منه , فصاح : حشكيك لعمو رمزي ..هاتيها..
تشبثت بالقطة , وقلتُ ( صوتي يترجرج مثل قطرة ماء في صهريج حار ) : عمو رمزي ؟, صاح أخي مرة أخرى دون أن يسمعني ” هاتي البسة “..
قلتُ و ما يزال صوتي تحت تأثير الدهشة ” لن أعطيك البسة إلا إذا أخذتني إلى عمو رمزي ” , رفع رأسه إليّ – قطب حاجبيه – قال بامتعاض ” طيّبْ “..
أمسك يدي و ركض بي إلى جارنا أبو سامي .طرق الباب و قال ( أخي ) ” وين عمو ؟”. دقائق وخرج لنا العم رمزي . صاح أخي ” عمو ..كوسر اخدت البسة إلّ أنطيتني اياها ” . نظر إليّ الرجل و قال بعطف : رجعيها للبنيْ. حدّقتُ في وجهه . دارت عيناي في كل اتجاه , تتفحص كالمجهر ملامحهُ , لا شبه بين هذا الرجل و الطفل.. رمزي صديق الطفولة !
أعطيت القطة لأخي , فإذا برنين ما يصدر من جيب الرجل , أخرج ساعةً ما يزال رنينها للآن يصدح في أذني ..مددت رأسي : العقرب يشير إلى الرقم 5 ! . قلتُ منذهلة : أنتَ رمزي حامد ؟ .دس الساعة في جيب قميصة و قال بهدوء ” نعم ” . قلتُ بحدة : ألم تعرفنِ ؟ ..هل تتذكر كوثر التي كانت معك في الصف الثاني ابتدائي!
قال و سكونه يُشعل دم أعصابي : جارْتي وْ منا دارِي ! ..والوادي نِسْيانِ وْ سقاني.. ثم انتثرت ضحكاته بين ذرات الهواء , قلت ” كم الساعة الآن ؟ ,قال :5
أخذت منه الساعة التي كانت معه قبل عشر سنوات : حرارة تُشع من رقاقة الحديد السفلية ..دافئة ..غطت البطارية ليمشي العقرب و تستمر الحياة و الانتظار !

الممرضة البائسة


كلما همّ أحدهم بمغادرة المستشفى,تمنيت لو أكون أي شيء يُدس في حقائبهم,كفرشاة أسنان,أو أن أطوى بين البيجامات,و أحمل معهم إلى حيث تأخذني أقدامهم ..
فقد قرفت حياتي الجوّابة بين غرف قميئة ألِفَتْ جدرانها ضجر روحي , و ترحالي بين المرضى . .أُعطِ هذا دواءه مُوقّعًا ببسمة تندلق من شفتايَ كالسم – دون أن يعلم أحدهم بذلك – .و آخر أقيس ضغطه,أتأكد من أنه طبيعي,بينما أنا في حالة غير طبيعية.حالة هستيريا ترتفع و تهبط كالترمومتر..في السرير المحاذي للنافذة,يرتمي رجل أُصيب بالعمى منذ قرابة الأسبوعين.تعيّن عليّ أن أكون ممرضته و تحت خدمته أربعَ و عشرين ساعة – بالتمام و الكمال -.و هذا اليوم الأول لخدمتي اياه إلى أن يحين خُروجه مُعافًا ! .
لا أعرف كيف أتعامل معه ؟!,مُضرب عن الأكل و الشرب و الكلام ! .. و كلما قسوتُ عليه و ألقمته الخبز,صار ينزع أنبوب المحلول من وريده,و يصرخ..فتتناثر قطرات الدم على الشرشف الأبيض..فيهرول الزوّار المجاورين لتهدأته,و تثبيته في مكانه,إلى أن يستعجل أحد الأطباء و يُعطِهِ ابرة مخدّر .
في الساعات الأولى من اليوم الأول معه,هكذا ! ..فكيف غدًا,و بعد غد ..ماذا عن كل هذا الملل و النفور الثائر بي !..كيف سأحتمل أكثر مما احتملت؛لأجل استمرارية الحياة و الشؤم في مستشفى أمراض نفسية ؟!
في الليل نامْ,و نامَ الجميع.بقيتُ مُتخشّبةً على الكرسي بجانب سريره,أسترق النظر إلى قطعة السماء المربعة التي هي الحيلة المتوفرة من نافذة مسيّجة بالحديد الصلب.تذكرت أن الرجل لم يُفرغ أغراضه من الحقيبة.أفرغتها في صندوق منسي تحت السرير.كانت بيجامة زرقاء بلون عينيه,و نظارة سوداء,و نوتة صغيرة..فتحتها فقرأت : ” نحن الذين نسير لا ذكرى لنا,لا حلم,لا أشواق تشرق,لا منى..آفاق أعيننا رماد*..”
لا أريد أكثر و لا أقل..خروجي من المستشفى بملابسَ امرأة في أواخر عشرينيّاتها,ناعمة, أنيقة التفاصيل,يكفي لأن أكون حقًا قد نجيت من تجاعيد الزمن – هنا ..
” نودّ لو متنا فترفضنا القبور ..”
أي رجل أعمى يقرأ الحزن و الموت دون عين ؟..!؟
– ماء ..ما ..م ..
صعقني بصراخه المفاجئ..فوضعت فم الإبريق في فمه؛لكنه وكزني فانسكب الماء على قميصه.التزمت السكون.كانت أعصابه ترتجف..شبه منهارة,شرايينه الدقيقة منشدّة بشكل مريع ..بعد دقائق ارتخى كالسكران و ارتمى رأسه على الوسادة ..
فككتُ أزرار قميصه دون أن يغضب أو يقترف شيئًا من جنونه.بانَ صدره,كان كثيف الشعر الممزوج بالشيب,عند رئته اليمنى جرح بسيط,و الجلد المغلف قلبه يرتفع و يقع باضطراب نبضاته..” يكاد التمزق ” .
أجهل لماذا سألته عن اسمه !
قال و قد خُيّل إليّ أن صوته ليس له : أحمد رزق .
في منتصف تلك الليلة؛تغير.تحوّل إلى رجل مُطيع !.قالَ أنه تلحمي,أفقد بصره رصاص طائش من بنادق المحتل..و بالمجييء إلى غزة أراد الاغتسال من ليل مدينته..فاذا به يغتسل بليل غزة.ليل على الأقل لم يُفقده بصره ( ! )..و عن حالته النفسية,أخبرني ما هي إلا هروب و همي من عالم ما وراء أسوار المستشفى و خلف قضبانها ..
– الحياة خارج المستشفى ليس لها رائحة معقمات..رائحتها ملوثة..صدقيني..ابقِ بنقائكِ و لقمة عيشكِ هنا ..
– لكنني سأصاب بحالة نفسية ..سأتعقد إن بقيت أعمل ممرضة هنا ..
– لِـمَ ..لماذا ..؟!
– الجرحى يجرحونني ..
أسمع أصواتا مخيفة تصدر عن المرضى و المعقدين ..
– أفضل من أن تسمعي أصوات النعاة ..أفضل من أن تتشردي بين الجثث و أصوات أكبر من صوت البكم ..
* لِـ نازك الملائكة

موعد مع النسيان

غدًا
تقتل وعود الحب بيننا
و تتحول إلى امرأة أخرى
تتزوجها
و تلبسها خاتمًا من ذهب
و فستانًا مطرزًا بالأماني
فيه زخارف و بياض
و تسكنها قصرك
و تداعبها بريش الوسادة
ثم يضمكما فراش عروسينِ فجريين
ناسيا ما قد تم بيني و بينكْ.